<

المهام الآنية المطلوب

للنهوض بقطاع المياه في العراق

أولاً: تأمين مياه الشرب

أسفرت الحرب عن أضرار بليغة بقطاع المياه، مما أدى إلى حرمان أغلبية السكان من مياه الشرب. ومصانع تنقية المياه التي أعيد تشغليها في الآونة الأخيرة تفتقر إلى العناصر الأولية التي تدخل في أساس عملية التنقية، لذا فإن المياه التي يحصل عليها بعض السكان من الشبكة المركزية لا تتحلى بأدنى الشروط الصحية التي حددتها منظمة الصحة العالمية (W.H.O). وقد كشفت الوكالات الإنسانية العالمية العاملة في العراق عن تلوث بمياه الشرب الجارية عبر الشبكات مما يؤدي إلى انتشار الأمراض والأوبئة، هذا الأمر يتطلب المعالجة الفورية والتنسيق مع المنظمات الدولية بغرض إعادة تأهيل محطات تنقية المياه في العراق إضافة إلى توفير العناصر الأساسية للتنقية لغرض إيصال المياه النظيفة والصحية إلى المواطنين بأسرع وقت ممكن. وأي تقصير في هذا الاتجاه سيتولد عنه أمراض خطيرة تؤدي إلى وفاة العديد من السكان.

ولا يقتصر تأثير تلوث مياه الشرب آنياً، بل ستطال آثاره السلبية مستقبلاً السكان مما يتطلب صرف نفقات مضاعفة على القطاع الصحي لمعالجتهم. فالأنباء الواردة من العراق تشير إلى أن مياه الشرب الواردة من الشبكة المركزية ذات لون مخضر ومائل إلى الاصفرار ، وهذا يدلل أن هذه المياه لم تنال حتى المعالجة الأولية لتخلص من العوالق والشوائب الظاهرية ناهيك عن المعالجات الضرورية الأخرى خاصة المعالجة الحيوية للتخلص من البكتريا والمكروبات المرضية.

إن هذا الوضع خطير جداً على السكان وما لم تتخذ إجراءات سريعة لإعادة الأمور إلى نصابها ستؤدي إلى كارثة سكانية. لقد وصلت درجة التلوث في مياه الفرات عند مدينة القائم منذ سنوات بين 800-900 جزء في المليون جراء مخلفات الري..وغيرها الجارية نحو النهر في كل من تركيا وسوريا. وتتضاعف درجة التلوث للمياه كلما اتجهنا نحو الجنوب خاصة بعد توقف مصانع تنقية مياه الصرف الصحي عن العمل في عموم العراق وبالتالي جريان مياه الصرف نحو النهرين دون معالجة. إن أعلى درجة تلوث مسموح بها عالمياً وفقاً لمنظمة الصحة العالمية تتراوح بين 400-500 جزء في المليون وحسب المنطقة والطقس.

مرة أخرى، المطالبة الملحة والعاجلة بتأمين مياه نظيفة للسكان مهمة وطنية وأخلاقية وإنسانية تتصدر كافة المهام الوطنية الأخرى.

ثانياً: إعادة تقييم للمنشآت المائية

إن المشاريع المائية التي تم تنفيذها في عقد التسعينيات من القرن المنصرم لم تخضع في تنفيذها للشروط التقنية اللازمة للنهوض بقطاع المياه بسبب سياسة الارتجال وهيمنة مرتزقة النظام السابق على الشركات المنفذة (العامة والخاصة) وتغيِب لجان الإشراف المتخصصة لمتابعة مراحل العمل. ويتوجب النظر بشكل أولي إلى ثلاثة عناوين:

1-توزيع الأراضي وأقنية الري، لقد استولى أعوان النظام البائد على أغلب الأراضي الزراعية الخصبة والمستصلحة حديثاً، وتم تنفيذ أقنية الري وتوصيل المياه تبعاً لمراكز النفوذ مما أدى إلى حرمان العديد من أصحاب الأراضي الآخرين من فرصة الحصول على المياه.

يتطلب الأمر، إعادة النظر في توزيع تلك الأراضي وإعادة تقييم تلك المنشآت المائية بشكل يتوافق والشروط الزراعية والعدالة في توزيع مياه الري. وبمعنى آخر المطلوب إصدار قانون إصلاح زراعي جديد للنهوض بالقطاع الزراعي والعمل على تأمين الأمن الغذائي للمواطن بما يتناسب والاستخدام الأمثل للموارد المائية المتاحة.

2-تأمين الطاقة الكهربائية، تعد الطاقة الكهربائية العامل الأهم في النهوض بالقطاعات الإنتاجية الأساسية للبلد. ومصادر الطاقة الكهربائية في العراق يأتي من مصانع توليد الطاقة التي تعمل على الديزل وعن طريق استثمار الطاقة الكهرومائية. وقد تأثرت محطات الطاقة الكهربائية العاملة بالديزل بشكل سلبي نتيجة العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة على العراق ولم يستطيع العراق متابعة خطته بشأن توفير المزيد من الطاقة لمتطلبات التنمية المستقبلية. وإن الاعتماد على إنتاج الكهرباء من الطاقة الكهرومائية لم يعد ذا جدوى اقتصادي بسبب ارتفاع قيمة الوحدة المائية المنتجة لوحدة الكهرباء نتيجة انخفاض حصة العراق من المياه الواردة من النهرين بسبب مشروع الكاب التركي.

المطلوب: الإسراع بتنفيذ عدد محدد من محطات الديزل لتغطية الحاجات الأساسية للسكان والقطاعات الإنتاجية في الوقت الحاضر ريثما يتم الانتهاء من ربط العراق بشبكة الكهرباء الإقليمية (مسار الشبكة يبدأ من سد أنغا في زائير ثم السد العالي في مصر وإلى الأردن عبر خليج العقبة ثم لبنان وسوريا وتركيا والعراق وترتبط الشبكة عبر تونس وليبيا وتركيا بالشبكة الأوربية) ومن خلال تلك الشبكة سيوفر العراق احتياجاته ويوفر مليارات الدولارات المخصصة لإقامة محطات جديدة للكهرباء.

ثالثاً: إعادة تأهيل الأهوار

إن سياسة تجفيف 90 بالمائة من أهوار جنوبي العراق تعد كارثة بيئية ارتكبت ضد إحدى أهم منطقة ايكرولوجية في العالم، وتعتبر المنطقة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط التي تمتاز بمؤهلات خاصة تجمع بين التاريخ والحاضر. ومازالت هناك إمكانية لإعادة تأهيل الأهوار إلى وضع مشابه لما كانت عليه قبل سياسة التجفيف التي اعتمدها النظام البائد.  

وهذا الأمر ، يتطلب إعادة دراسة وتقييم المشاريع المنفذة من النهر الثالث والرابع وقناة المصب العام بغية إيجاد حل مناسب لإعادة تأهيل الأهوار دون الإضرار بالمنشآت المائية التي تم تنفيذها واستخدامها بما يتوافق والوضع القائم. والعمل المنفرد (بجهود عراقية أو أعمال فردية) كما تدعو إليه بعض الجهات العراقية أو مواطني المنطقة عديمة الجدوى. فالتنسيق مع المنظمات العالمية المعنية بهذا الشأن التي بادرت منذ وقت مبكر بدراسة إمكانية إعادة الأهوار  يعد أمراً هاماً، فأي إجراء منفرد وغير مدروس بهذا الاتجاه سيخلق واقعاً جديداً لربما يكون مضراً وغير مفيد لإعادة تأهيل الأهوار.

كما أن إعادة تأهيل الأهوار يتطلب أموالاً كبيرة يتعين الحصول عليها من المنظمات الدولية، لأن الأولويات الملقاة على عاتق الحكومة الجديدة كبيرة لذا (لربما) لا تولي الاهتمام اللازم بهذا الأمر.

المطلوب: تنسيق الجهود مع المنظمات الدولية والعراقية المهتمة بهذا الجانب بغية إعادة الأمور إلى نصابها ونحذر من أي إجراءات غير مدروسة ومنفردة بهذا الجانب.

رابعاً: المشاريع المائية الإقليمية

هناك مشروعان مائيان موضوعان على رأس قائمة النظام الشرق أوسطي الجديد هما:

1-مد خط أنابيب من شط العرب قرب البصرة إلى الكويت لغرض تزويد الكويت بالمياه العذبة، وتم دراسة المشروع من قبل شركة فرنسية في منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم وكان من المؤمل تنفيذ المشروع بعد حرب الخليج الأولى، ولكن غزو صدام للكويت جمد المشروع. وإن إعادة إحياء المشروع يعود بالفائدة على العراق بما يلي:

¨         إعادة بناء الثقة وحُسن الجوار بين البلدين.

¨         مطالبة الكويت بإسقاط ديونها على العراق.

¨         مطالبة الكويت بإسقاط حقها بالتعويضات الناتجة عن غزو صدام للكويت.

¨         حصول العراق على عائد مالي سنوي نتيجة تصديره للمياه الذاهبة هدراً نحو الخليج العربي.

هذا المشروع له مغزى سياسي أكثر مما هو اقتصادي، لذا فإن المبادرة إلى إحياءه سيفتح آفاقاً للعراق مستقبلاً نحو الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي.

2-مد خط أنابيب من الفرات في العراق إلى الأردن، توجد دراسة جاهزة بهذا الخصوص ووقع العراق في نهاية التسعينيات اتفاقاً مع الأردن بغرض تنفيذ المشروع. وهذا المشروع له طابع إقليمي يتعلق بعملية السلام في المنطقة، وقد يُطالب الأمريكان العراق مجدداً الموافقة على المشروع بسبب:

¨    المشروع يمكن أن يكون بديلاً عن مشروع أنابيب السلام التركي الذي يهدف قسماً منه تزويد سوريا والأردن وفلسطين وإسرائيل بالمياه، ولم يلقَ المشروع استجابة عربية بسبب ارتفاع تكاليفه والخشية من دور تركي إقليمي في المنطقة.

¨    المشروع، قد يتم استكماله ويصب في نهر الأردن أو اليرموك وبالتالي يمكن أن يكون بديلاً عن المشروع السوري (من سد الطبقة نحو مدينتي حلب وحمص ودمشق ثم منابع نهر اليرموك) أي أن المشروع يهدف إلى حلحَّلة ملف المياه الذي يعيق عملية السلام بين سوريا وإسرائيل.

¨         المشروع يعطي العراق دوراً إقليمياً أكبر من حيث كونه (حنفية) المياه نحو الكويت والأردن ولربما فلسطين.

¨     المشروع يحظى بدعم أمريكي وينهل من اقتراحات ((جويس ستار)) مسؤولة ملف مياه الشرق الأوسط في الخارجية الأمريكية التي تدعو إلى إقامة بنك مائي إقليمي وبالتالي فإن الضغوط الدولية ستعمل على إجبار تركيا على توقيع معاهدة توزيع حصص المياه بشكل عادل بينها وبين دول حوضي دجلة والفرات.

أخيراً للنهوض بقطاع المياه يتطلب الأمر تشكيل هيئة من الخبراء بشؤون المياه والبيئة، واستبعاد العناصر الطارئة التي أوكلها النظام البائد في إدارة شؤون المياه في العراق.