تدمير بيئة الأهوار والرد القاسي على تاريخ عرب الأهوار

                                                                                                                                                                                      

يعتبر عالم الأهوار من حيث مكوناته الطبيعية والاجتماعية امتداداً حياً للتاريخ القديم نظراً لاستمرار المظاهر الحياتية البدائية ( كبناء بيوت القصب وصناعة القوارب والتنقل والصيد) رغم التطور الهائل الذي طرأ على المظاهر الحياتية للعالم المحيط بالأهوار.

عالم الأهوار شكل من الأشكال النادرة في العالم من حيث الامتداد التاريخي والسلالي لأقوام لازالت تتوالد وتتواصل في عالمها الخاص ويطلق على مثل هذه المناطق الطبيعية التي لم تلوثها عناصر التطور الحديث بالمناطق البكر التي تسعى المنظمات الدولية لحمايتها حيث أطلق عليها المناطق المحمية في العالم وهي تشمل ( الغابات البكر، الأنهار التي لم تقام عليها السدود، التجمعات البشرية البدائية، المناطق التي لم تفسدها الآلة) وهي بقاع محدودة في العالم والأهوار العراقية تدخل ضمن مواصفات هذه البقاع.

أن الأيدي الأثيمة التي عمدت على إنهاء المقومات الحياتية والطبيعية في منطقة الأهوار لابد من إحالتها إلى محاكم دولية لمقاضاتها بتهمة ارتكاب جرائم ضد البيئة والإنسانية فلم يعد العالم البيئي ذات سيادة وطنية يحق للحكومات والأفراد العبث بها، فالعالم البيئي وحدة متجانسة لا يمكن تجزئته بحواجز الحدود السياسية وإن العبث بأي جزء من أجزائه يلحق الأذى بالمكونات الأساسية للبيئة فالمتغيرات الجديدة في المناخ العالمي وأتساع ثقب الأزون وازدياد نفاذ الأشعة فوق البنفسجية عبر الغلاف الغازي للأرض جاءت بسبب العبث بالمكونات الطبيعية لهذا العالم وستجلب الكوارث المرتقبة الأذى لجميع سكان العالم دون استثناء، لذا يتوجب على المجتمع الدولي إحالة أعداء البيئة والإنسانية إلى محاكم دولية.

نظرة تاريخية:

أكدت المكتشفات التاريخية في تل العبيد بأن أول الأقوام التي سكنت خاصرة الفرات هم العبيديون وقد تنامت حضارة العبدييين بفضل تطور الزراعة وشبكات الري التي ورثتها فيما بعد حضارة سومر فقد قدرت مساحة مملكة سومر بحدود عشرة آلاف ميل مربع شملت المنطقة الجنوبية من العراق وتحديداً المنطقة المحصورة بين نهري دجلة والفرات حيث المسطحات المائية المسماة بالأهوار وقد بلغ عدد نفوس مملكة سومر ما بين ( 30-35 ) ألف نسمة، كانت المنطقة ميناءاً تجارياً هاماً بالنسبة لمملكة سومر تلتها حضارة بابل، وتشير المراجع التاريخية إلى أن عمر الأهوار العراقية يمتد إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد وقد وردت قصة الطوفان في الكتب السماوية متوارثة عن الحضارات القديمة فقد جاء في قصة الطوفان من ملحمة ((جلجامش)) " بيت من قصب البردي! بيت من قصب البردي جدار .... جدار..... بيت من قصب البردي ياملك شورباك ...يا أبن اوبارو- توتو .. أهدم بيتك وشيد زورقا".

وقد انحسرت مساحة كبيرة من الأهوار في جنوب العراق نتيجة التغيرات الطبيعية التي طرأت على مجرى نهري دجلة والفرات منذ أمد بعيد ويعتقد بأن منطقة الأهوار كانت تمتد من حدود بغداد الحالية إلى البصرة تتخللها الجزر الطبيعية كما هو الحال قبل جريمة تجفيفها في السنوات الأخيرة.

الوصف الديمغرافي لعرب الأهوار:

تبلغ مساحة الأهوار العراقية بحدود 6000 ميل مربع تمتد على بعد 60 ميل من شمال مدينة البصرة وإلى الشمال في المنطقة المحصورة بين خواصر نهري دجلة والفرات وتشير المراجع التاريخية إلى أن المجتمعات البشرية التي سكنت منطقة الأهوار بلغت عشرة أجيال ولربما تظهر لنا المكتشفات اللاحقة في منطقة الأهوار  التي تم تجفيفها شواهد أخرى لأن هذه المنطقة البكر غمرتها المياه منذ آلاف السنيين ولم تصلها يد الاستكشاف لحد الآن.

 وتحدث ((بيلي فريرز)) عن سكا ن الأهوار " من المدهش أن يتسم هؤلاء الأقوام الذين يعيشون في المستنقعات بالقوة والوسامة فمازال سكان الأهوار يتمتعون بالسحنات الدقيقة نفسها التي كان يتمتع بها سكان الأهوار الأوائل ( السومريون ).

وأجرى ((جيفين يونغ)) مقارنة وصفية لسمات الوجه بين تمثال لشخصية سومرية وأحد سكان الأهوار وتبين له هناك تشابهاً كبيراً في شكل الأنف والعيون وتقاطيع الوجه إضافة إلى شكل الذقن والتطابق المتميز يبدو اكثر وضوحا في ( رقبة غليظة، أنف كبير، عينين كبيرتين ومدورتين ) مع الإشارة إلى أن  البيوت المشيدة من القصب في الأهوار في الأزمنة القديمة لا تختلف في هيكلها عن البيوت المشيدة في الوقت الحاضر وكذلك بناء المشحوف وعليه يمكن الاستدلال بان المجتمعات التي سكنت منطقة الأهوار ولا تزال مجتمعات قديمة قدم وادي الرافدين وليس كما يدعي النظام الحاكم بأنهم مجتمعات دخيلة ولاتمت صلة بالعراق.

مساهمة سكان الأهوار في حضارة وادي الرافدين:

 ساهم سكان الأهوار مساهمة كبيرة في رسم معالم الحضارة في وادي الرافدين باعتبارهم أول الأقوام التي سكنت خاصرة الفرات وقد أمتاز سكان الأهوار بالنزعة الرافضة للخضوع والسيطرة فعندما هاجم سنحاريب مملكة بابل تمكن ملك بابل(( ميردوخ بالادن)) من الهرب والاحتماء لدى سكان الأهوار مما أثار هذا غضب سنحاريب فجهز جيشا كبيراً لاقتحام الأهوار ودارت معارك كبيرة بين الجانيين أنتصر خلالها سنحاريب وقام بأسر أكثر من ( 208 ) ألف من سكان الأهوار وأخذهم إلى نينوى وتوالت مقاومة سكان الأهوار للغزاة والطامعين.

 وفي عام 634 ميلادية جاء الزحف الإسلامي بقيادة ((خالد بن الوليد)) لإنهاء الحكم الساساني في العراق ونشر الدعوة الإسلامية وحينها رحب سكان الأهوار بالدين الجديد وساهموا في تدعيم أركانه وفي فترة الغزو المغولي للعراق لجأ عدد كبير من السكان إلى منطقة الأهوار هربا من مذابح الجيش المغولي ولم ينج سكان الأهوار من هجمات المغول نتيجة تعاطفهم مع السكان المهاجرين إلى مناطقهم

 وكذلك كانت انطلاقة ((ثورة الزنج)) في عمق الأهوار وقد اتخذوا الأهوار منها قاعدة لشن هجماتهم ضد حاكم ولاية البصرة وأقاموا دولتهم مدى 14 عاما.

 وعند الاحتلال ((العثماني)) للعراق وقعت عدة معارك بين الجيش التركي والقبائل العربية في الجنوب التي كانت تلجأ إلى الأهوار عند ارتفاع وتيرة البطش بها وقد فشلت أغلب الحملات التأدبيية التي شنها الجيش العثماني ضد العشائر العربية في الأهوار.

 وفي عام 1775 شن ((الفرس)) هجوما على مدينة البصرة وقاومتهم أبناء عشائر المنتفك وقد تم استدراج قوة مؤلفة من( 12) ألف محارب من الفرس إلى منطقة الأهوار وتمت إبادتهم جميعا.

 أما في عام 1915 عندما أحتل ((الجيش البريطاني)) مدينة البصرة تصدت لهم عشائر الأهوار.

 ومنذ قيام الدولة العراقية فإن منطقة الأهوار كانت خير ملجأ لمعارضي الأنظمة الفاشية التي توالت على العراق ومهداً للانتفاضة الباسلة وما تلاها من نضال ضد الفاشية حتى يومنا هذا لهو دليل ساطع على النزعة الثورية لسكان الأهوار وما جريمة تجفيف الأهوار إلا رداً قاسياً على التاريخ النضالي لسكان الأهوار.

الآثار السلبية لتجفيف الأهوار:

ادعى أحفاد هولاكو بأن مشروع تجفيف الأهوار يهدف إلى زيادة المساحات الزراعية في العراق، أن هذا الادعاء مرفوض جملة وتفصيلا نظراً لوجود مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية غير المستغلة وتقرير منظمة الأغذية والزراعة العربية يؤكد إن أكثر من 52% من الأراضي الزراعية في العراق تعرضت إلى التملح نتيجة أتباع طرق بدائية في الري وإن استصلاح أراضي زراعية جديدة دون دخولها حيز الإنتاج الزراعي مباشرة ستتعرض إلى التملح وإن كلفة غسيلها من الأملاح مستقبلا تعادل أضعاف كلفة صيانتها.

 ومن جانب أخر قدرت منظمة اليونسكو عدد الطيور المهاجرة والقاطنة في منطقة الأهوار العراقية بحدود عشرة آلاف نوع وإن منطقة الأهوار العراقية هي من أهم المناطق البيئية في منطقة الشرق الأوسط المناسبة لتزاوج وتكاثر الطيور، وقد سجلت الأوساط البيئية في منطقة الشرق الأوسط بعد جريمة تجفيف الأهوار توافد أنواع عديدة من الطيور ( التي كانت تقطن منطقة الأهوار قبل التجفيف ) على منطقة الجهرة الكويتية حيث توجد بحيرة اصطناعية وكذلك على بعض المسطحات المائية في منطقة عبادان وبذلك خسر العراق أجمل وأروع منطقة سياحية في العالم.

 وتحدث ((جيفن يونغ)) عن جمال الأهوار العراقية عندما زارها  في منتصف السبعينيات " بدأ العالم الجديد جميلاً عالم أخرأشبه بعالم العجائب ورغم عدم وجود له في خارطة العالم ألا أنه عالم يستحق التوغل والضياع فيه" ويتابع الوصف" إذا كان لجنة عدن وجود فيمكن العثور عليها في أهوار العراق فتاريخ تلك المنطقة يعود إلى بضعة الاف من السنين  وسكان المنطقة المنحدورن من الحضارة السومرية القديمة يتمتعون بالسحنات الدقيقة نفسها التي يتمتع بها سكان الأهوار الأوائل".

 ولربما من السابق لآوانه التكهن بالآثار السلبية التي قد تتركها هذه الجريمة في المستقبل ما لم تقم لجنة مختصة بدراسة هذه الآثار، ففي منتصف الخمسينيات عندما تم تجفيف المسطحات المائية في منطقة الغاب السورية واستغلالها لأغراض الزراعية لم تلحظ الآثار السلبية لهذا التجفيف ولكن بدأت أثاره تظهر في الثمانينيات عندما لوحظ تقزم وتشوه أشجار الشوح في ((منطقة صلنفة)) وتحديداً في السفح المطل على سهل الغاب وإن أكواز الشوح باتت خالية من البذور في سنوات عديدة.

 ومن خلال عملي كمسؤول عن إدارة الإنتاج الحراجي كنت أتابع باهتمام هذه الظاهرة لاعتمادنا على هذه البذور في إعادة تحريج المناطق الأخرى وأعتقد أن عملية التلقيح ضمن أشجار الشوح في تلك المنطقة لم تتم بسبب انخفاض الرطوبة وتبدو هذه الظاهرة جلية عند انحسار الأمطار في بعض السنين في حين أن هذه الظاهرة لم تسجل قبل تجفيف سهل الغاب رغم سنوات الجفاف بسبب توفر رطوبة مسطحات الغاب، والسؤال المطروح هل أن غابات النخيل سوف تتأثر بتجفيف الأهوار على المدى البعيد؟ لذا لابد من وقفة للمختصين بشؤون البيئية لدراسة الآثار السلبية لجريمة تجفيف الأهوار.