صراع المياه

بين دول حوض اليرموك

 

أن انفراد الأردن بتوقيع معاهدة السلام مع إسرائيل أضعف الموقف السوري الذي اعتبر الاتفاقيات المنفردة مع إسرائيل إضرار بالموقف القومي العربي، ولكن تبقى سوريا هي مفتاح الحرب والسلام في المنطقة وهذه الحقيقة تدركها إسرائيل جيدا فتعثر المفاوضات أو تقدمها على الجبهتين الفلسطينية والأردنية مع إسرائيل يصطدم بالموقف السوري المتشددّ فلكماشة السورية-اللبنانية تعيق المشاريع الإسرائيلية الاستراتيجية التي صاغتها دولة إسرائيل الكبرى.

 وأن جميع الحروب التي شنتها إسرائيل على العرب منذ عام 1967 كانت في حقيقتها تامين السيطرة على منابع المياه العربية - نهر الأردن، بحيرة طبريا، نهر الليطاني- وقال ((هوارس مابيركالين)) "أن مستقبل فلسطين با كمله هو بين أيدي الدولة التي تفرض سيطرتها على الليطاني وليرموك ومنابع نهر الأردن ".

 ولكن رغم سيطرة إسرائيل على مصادر المياه العربية لم تتمكن من تحقيق أهدافها الاستراتيجية فهذه المشاريع تتطلب تعاون دول المنطقة لإنجازها، وبدون هذا التعاون تبقى المشاريع الإسرائيلية عديمة الأهمية من الناحية الاَستراتيجية. فبعد أن أكُملت المشاريع المائية في شمالي إسرائيل من شق أنفاق تحت الأرض وإقامة خزانات مائية بغرض الاَستفادة من مياه الليطاني وكذلك المشاريع المقامة في الجولان السوري وقرب نهر الأردن باتّ على إسرائيل اْستثمار هذه المشايع عبر طرق وأساليب أخرى أكثر عملية طالما أسلوب الحروب الذي أتبعته سابقًا لم يؤدِ الى النتائج المرجوة. فجاءت اتفاقيات السلام لتحل هذه المعضلة عبره صياغة جديدة آلا وهي مبادلة الأرض مقابل السلام التي تخفي في طياتها الاستثمار المشترك للموارد المائية العربية، وقد برزت هذه في تنفيذ الاتفاقات بين إسرائيل والأردن عبر بدء عملية ضخ المياه من بحيرة طبريا الى قناة الملك عبد الله وذلك بمعدل 5 ملايين متر مكعب شهرياً ولمدة أربعة أشهر في السنة اعتباراً من منتصف حزيران وحتى تشرين الأول القادم، وبما أن سوريا معنية بالأمر.

 فجاء الرد السوري سريعاً وعبرّ اتجاهين أولهما سياسياً عبرّ وزير خاريجيتها ((فاروق الشرع)) الذي أكد بأن هذه المشاريع المائية تضرّ بالمصالح السورية وعبرّ عن استيائه منها وثانيهما مائياً عبرّ تخفيض تدفق مياه نهر اليرموك الى الأردن ولمدة يومين، حيثُ يعتبر الأجراء الأخير بمثابة إنذار غيرّ مباشر الى الأردن التي سارعت الى الرد على هذا الأجراء عبرّ وزير المياه والري الأردني الذي أنتقد الأجراء السوري وأوحى الى فكرة إنشاء سد تحويلي على نهر اليرموك لآجل تنظيم المياه وتخزينها وتوزيعها حسب الحصص التي أتفق عليها مع إسرائيل.

الأطماع الإسرائيلية في مياه نهر اليرموك:

أن الأطماع الإسرائيلية في مياه اليرموك ليست جديدة وإنما تمتد جذورها الى عشرات السنين خلت، فمنذ‘ أن قررّ حكام بني صهيون إقامة دولة إسرائيل ورسم حدودها السياسية من النيل الى الفرات وضعوا في حسابهم أهمية المياه ودوره في الصراع مع العرب.

 فلقد صرح ((دافيد بن غوريون)) عام 1955 " أن اليهود يخوضون مع العرب معركة المياه وعلى نتيجة هذه المعركة يتوقف مصير إسرائيل، فإذا لم تنجح في هذه المعركة فأننا لن نبقى في فلسطين ".

 وقد تجلى هذا الصراع عبر مشاريع ودراسات تحقق أهدافهم في السيطرة وأهم هذه الدراسات هي:

1-في عام 1905 أقترح المهندس ((ويلبوش)) تحويل مياه نهر الليطاني الى نهر الحاصباني أحد منابع نهر الأردن لمضاعفة كمية المياه في نهر الأردن.

2-عام 1926 حصلت شركة لاتنبرغ اليهودية امتياز لمدة سبعين عاماً لاستثمار مياه نهري الأردن واليرموك في نقطة تلاقيهما عند جسر المجامع الأردني ومستعمرة نهار يم الصهيونية لتوليد الطاقة الكهربائية وعقدت هذه الشركة اتفاقاً مع شركه لبنانيه لدراسة استثمار اكثر من سبع كمية مياه الليطاني في لبنان وتحويل الكميه الباقية الى وادي الأردن.

3-عام 1953 أحبطت أمريكا ووكالة الغوث الدولية مشروع إنشاء سد المقارن خشيتا من أن يتعارض هذا المشروع ( مشروع يونغر) مع المشاريع الإسرائيلية نظراً لعدم اعتراف مشروع يونغر بحصة إسرائيل في مياه اليرموك.

4-عام 1954 قدم الخبير الأمريكي ((جون كوتون)) مشروعاً لتطوير واستثمار الموارد المائية في أحواض نهري الأردن والليطاني وأعطى حسب المشروع 1290 مليون متر مكعب سنوياً لإسرائيل بواقع 890 مليون متر مكعب سنوياً من مياه نهر الأردن وروافده و400 مليون متر مكعب سنوياً من نهر اليرموك وروافده.

5-عام 1964 عشية مؤتمر القمة العربي الأول قررّ المجتمعون تنفيذ بعض المشاريع المائية في سوريا ولبنان والأردن بغية استثمار مياه الأردن والليطاني واليرموك، حيثُ قررّ المؤتمر إقامة سد على نهر اليرموك في موقع الخيبة لتخزين 200 مليون متر مكعب من المياه  وشق قناة عبر الأراضي السورية من خلال وادي الرقاد لتصب في نهر اليرموك وعند المباشرة بالمشروع قامت إسرائيل بقصف المنشآت حيثُ سجلت الاعتداءات التالية:

أ-قامت إسرائيل بمهاجمة الحدود السورية في 17و18 /2/ 1964.

ب-حشدت إسرائيل قواتها على الجبهة السورية وشنت عدة اعتداء في 7/3/1964.

ج-هاجمت إسرائيل مواقع العمل في المشروع بتاريخ 13/5/1964

د-شنت إسرائيل 14 هجوماً على الحدود السورية في 17/7 /1964 وكذلك في 10و12/11/1964

و-استخدمت إسرائيل في قصفها منشآت وورشات العمل قنابل النابال في 13/11/1964

ه-هاجمت إسرائيل مناطق التحويل في سوريا والأردن بتاريخ 6 ,15 ,17 ,18 ,22 /5/1965

6-عام 1970 تقف الخلافات السياسية العربية عقبة أمام إتمام بناء سد الوحدة ( المقّارن)على نهر اليرموك، وقد أوقفت الولايات المتحدة الأمريكية تمويل المشروع عام 1978 (بعد أن كانت قد وعدة بتمويله ) نتيجة تدخل إسرائيل التي ادعت بان هذا المشروع سيحول دون وصول ملايين من الأمتار المكعبة من المياه التي تحصل عليها إسرائيل سنوياً من نهر الأردن.

7-عام 1970 تم توقيع اتفاق بين سوريا والأردن لاستكمال تنفيذ سد الوحدة على نهر اليرموك بتمويل من البنك الدولي ولكن المشروع لم ينفذ بسبب مماطلة البنك الدولي الذي تقف وراءه الولايات المتحدة واللولب الصهيوني.

الأهمية الاستراتيجية لنهر اليرموك:

يبلغ طول نهر اليرموك 40 كم منها 23 كم في سوريا والباقي في الأردن وفلسطين ويصب في نهر اليرموك خمسة روافد رئيسية هي ( الزيدي ، أبو الذهب ، الهرير ، العلان ، الرقاد ) وأكثرهما غزارة هما أبو الذهب والهرير، وتبلغ مساحة حوضه بحدود 7584 كم2 ويرفد وادي اليرموك نهر الأردن في جنوب بحيرة طبريا ليشكلا معاً ما يسمى بنهر الشريعة.

 ويعتبر نهر اليرموك ذوآهمية كبيرة لأنه يرفد نهر الأردن بكميه كبيرة من المياه تقدر بحدود 475 مليون متر مكعب وهي تشكل 38% من مياه نهر الأردن ، هذا إضافة الى أن متوسط الملوحة في مياه النهر  تقدر بحدود 88 جزء بالمليون ، بينما تبلغ متوسط الملوحة في مياه بحيرة طبريا بحدود 300 جزء بالمليون.

 وهذا يعني ارتفاع الملوحة في نهر الأردن بعد تغذيته من مياه بحيرة طبريا وفي حال إعاقة وصول مياه نهر اليرموك الى نهر الأردن ( مثلاً بإنشاء سد الوحدة ) فان نسبة الملوحة سوف ترتفع في مياه نهر الأردن، مما يقلل من أهمية المياه للاستخدامات الزراعية، هذا إضافة الى الإضرار المحتملة لإصابة التربة بالتملح وبالتالي خروجها عن الاستثمار الزراعي.

لقد أنشأت سوريا مؤخراً بعض السدود الترابية والتحويلية بغرض الاستفادة منها في تخزين المياه وتوسيع الأراضي الزراعية في جنوب سوريا قرب منطقة درعا وقراها ( طفس- غزاله -البادوده .......الخ ) بمساحة قدرها 75000 دونم وبشبكه مياه قدرها 190 كم، هذا إضافة الى تخفيض التدفق من 450 مليون متر مكعب الى 225 مليون متر مكعب.

أخيراً من حقنا أن نتساءل إذا أ ستمر الفيتو السوري على المشاريع المائية الإسرائيلية- الأردنية هل سيكتب لاتفاقية السلام الأردنية-الإسرائيلية النجاح ؟ أم سيسعى الجانبان للتحالف ضد سوريا؟!!!

مازالت سوريا تحتفظ ببعض الأوراق الرابحة في لعبة الحرب والسلام، فالكره في المرمى الإسرائيلي والمباحثات السورية-الإسرائيلية الجارية حالياً  في واشنطن وما يسفر عنها هي التي سوف ترفع أو تُخفِض من درجة حرارة المياه في وادي اليرموك!.

المصادر المعتمدة:

1-الأرقم الزعبي ((الغزو اليهودي للمياه العربية)) دار النفائس، بيروت 1992.

2-حمد سعيد الموعد ((حرب المياه في الشرق الأوسط)) داركنعان للدراسات والنشر، دمشق 1990.

3-صاحب الربيعي ((ملف المياه والآمن الغذائي العربي)) جريدة الوفاق العراقية، لندن 1994.

4-جورج المصري ((حرب المياه في الصراع العربي-الصهيوني)) مجلة الوحدة، الرباط 1991.