الأطماع الإسرائيلية في مياه الجنوب اللبناني

 وقرار مجلس الأمن 425

 

تناقلت وكالات الأنباء العالمية عن نية إسرائيل الانسحاب من جنوب لبنان وفق القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بتاريخ 26/ 3/ 1978 والذي دعا" إلى الاحترام الدقيق لسلامته واستقلاله وسيادته ضمن حدوده الدولية المعترف بها ووقف جميع العمليات العسكرية الإسرائيلية والانسحاب فوراً من كافة الأراضي اللبنانية".

فالقرار واضح وصريح حول الانسحاب إلى الحدود الدولية دون قيد أو شرط ومنذ عام 1978 وحتى الآن تماطل إسرائيل بتنفيذ هذا القرار، وجاءت مبادرتها الأولى بصيغة عرجاء " لبنان أولاً " لفصل المسار السوري عن المسار اللبناني بغية إضعاف الموقف التفاوضي السوري.

 وتم رفض المبادرة واعتبار المسارين السوري- اللبناني مساراً واحداً، وأن مصالح البلدين مصالح مشتركة وماتت المبادرة في المهد وعاودت إسرائيل لطرح مبادرة جديدة حول تنفيذ القرار 425 مقابل تعهد سوري بحماية شمالي إسرائيل من عمليات المقاومة اللبنانية ورفضت سوريا لعب دور (الشرطي) في منطقة الحزام الأمني لحماية شمالي إسرائيل وتضاعفت المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال، واليوم تسعى الأمم المتحدة عبر رئيسها ((كوفي عنان)) لأخذ زمام المبادرة الإسرائيلية لتطبيق القرار 425.

هل جادة إسرائيل في تطبيق القرار 425:

قبل مناقشة النوايا الإسرائيلية وجديتها لابد من مناقشة جذور الأزمة ولماذا قامت إسرائيل باجتياح جنوب لبنان في أعوام 1978، 1982 فحسب ادعاءاتها لأسباب أمنية تتعلق بحماية سكان الجليل الأعلى من عمليات المقاومة اللبنانية.

 والسؤال المطروح هل حققت إسرائيل الأمن لشمالي الجليل بعد كل هذه السنوات من الاحتلال؟؟

في طبيعة الحال لم تحقق إسرائيل الأمن والدليل عمليات المقاومة في تصاعد مستمر وتكلف إسرائيل مزيداً من القتلى والجرحى، إذاً ما الجدوى من استمرار الاحتلال؟؟

في حقيقة الأمر أن الاجتياح الإسرائيلي لم يكن لأسباب أمنية كما تدعي إسرائيل وإنما لأغراض استراتيجية تتعلق بأطماع قديمة بمياه الجنوب اللبناني وذكر خبير المياه الأمريكي ((جاك لندر)) " بأن إسرائيل لا تريد الأرض بمعنى الأمن أو بأي معنى من هذه المعاني المتداولة سياسياً في صحافتنا وصحافة العالم ولكنها تريد الأرض أساساً وفي الدرجة الأولى ما تحتويه من موارد مائية"(1).

وأشار الجنرال الإسرائيلي ((آهرون ياريف)) إلى" أن مهمة السياسة الخارجية الآن هي أن توجد أفضل طريق من أجل تحديد مدة وطابع وحجم هذا الحضور( في الجنوب اللبناني) ويتمثل الهدف في المحافظة على مصادر المياه واستغلالها كما يجب أن تستغل"(2).

 وتشير التقارير الصحافية إلى أن نفقات إسرائيل منذ اجتياحها لجنوب لبنان عام 1982 وحتى الآن بلغت 6 مليارات دولار إضافة إلى الخسائر البشرية، ومما سبق فإننا يمكن التأكيد على أن ادعاءات إسرائيل حول حماية سكان شمالي إسرائيل ادعاءات باطلة ودعواتها إلى الانسحاب تعتبر دعوات ذات مناورات سياسية ما لم تحقق أغراضها، فالدعوات الإسرائيلية للانسحاب مشروطة بما يلي:

   ·   الانسحاب إلى خطوط الهدنة وليس إلى الحدود الدولية بغية إبقاء سيطرتها على منابع المياه في الجنوب اللبناني.

   ·   تعهد دولي بضمان سلامة الجليل.

   ·   ترتيبات ثنائية ( إسرائيلية- لبنانية) لضمان المصالح المشتركة...أي تنازلات لبنانية بشأن المياه.

وتعتبر هذه الشروط مخالفة لقرار مجلس الأمن 425 والذي ينص على الانسحاب غير المشروط للحدود الدولية.

نبذة تاريخية موجزة عن الأطماع الإسرائيلية في المياه اللبنانية:

  1.  في مؤتمر بازل عام 1897 قال ((هرتزل)) عقبه المؤتمر" لو أني أردت تلخيص نتائج هذا المؤتمر لقلت إننا وضعنا أسس الدولة اليهودية بحدودها الشمالية التي ستمتد حتى نهر الليطاني وبعد خمسين عاماً بالتأكيد سيرى كل إنسان هذه الدولة.

  2.  في عام 1903 عرض ((هرتزل)) مبلغ مليون ليرة تركية على السلطان العثماني ((عبد الحميد الثاني)) مقابل موافقته على حق اليهود في الاستقرار في منطقة الجليل وصولاً إلى أرض لبنان الجنوبي، حيثُ يشكل نهر الليطاني مركزاً المخططات اليهودية الرامية لنشر الازدهار في المنطقة.

  3.  طالبت الحركة الصهيونية في مؤتمر السلام عام 1919 بضرورة إجراء تعديل على حدود إسرائيل ليشمل نهر الليطاني ومنابع نهر الأردن وجبل الشيخ- طبريا-.

  4.  في 30/10/ 1920 بعث ((حايم وابزمان)) مذكرة إلى وزير خارجية بريطانيا جاء فيها " أنني متأكد من أن سيادتكم تدركون أهمية الليطاني الكبرى لإسرائيل فلو تأمنت لها جميع مياه الأردن واليرموك لن تفي بحاجاتها، إن الليطاني هو المصدر الذي يمكن أن يوفر ري الجليل الأعلى".

  5.  في عام 1921 أعلن ((هوارس ما بيركالن)) أن مستقبل فلسطين بأكمله هو بين أيدي الدولة التي تبسط سيطرتها على الليطاني واليرموك ومنابع نهر الأردن".

  6.  في 7 /1/ 1941 بعث ((بن غوريون)) برسالة إلى الرئيس الفرنسي ((شارل ديغول)) جاء فيها" إن أمنيتي في المستقبل جعل الليطاني حدود إسرائيل الشمالية.

  7.  كشف ((بن غوريون)) عن وثيقة سرية أعدها عام 1941" بأن أراضي النقب القاحلة وكذلك مياه الأردن والليطاني يجب أن تكون مشمولة داخل حدود إسرائيل"(3).

وعليه فإن الأطماع الإسرائيلية لم تكن وليدة الاجتياح وتسقط الادعاءات الإسرائيلية بحماية شمالي الجليل ولم يخف الإسرائيليين أطماعهم طيلة هذه الفترة حيثُ أشار ((ليفي أشكول)) "بأن إسرائيل العطشى لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى نصف مليون متر مكعب سنويا من مياه الليطاني تذهب هدراً إلى البحر".

ومن خلال استقراء العقلية الإسرائيلية يمكن الإشارة إلى أن الانسحاب من جنوب لبنان لن يتم دون تحقيق مكاسباً سياسية ملموسة على أرض الواقع خاصةً بما يتعلق بالمياه وهي ذات العقدة التي أوصلت المفاوضات الإسرائيلية - السورية إلى طريق مسدود.

المخططات الإسرائيلية لسرقة مياه الجنوب:

منذ الاجتياح الإسرائيلي الأول للجنوب اللبناني عام 1978 بادرت إسرائيل إلى تنفيذ مخططاتها المعدة سلفاً لغرض سرقة المياه اللبنانية ويشير الباحثان NAFF& MATSON إلى أن " توغل إسرائيل في لبنان عام 1978 يعود لاستيلائها على نهري حاصبايا والوزاني وليس لأسباب أمنية كما تدعي".

نهر الوزاني:

هو أحد الروافد الرئيسية ( يقع على بُعد كيلومتر واحد من شمال إسرائيل) لنهر الحاصباني وتقدر طاقته المائية بحدود 65 مليون متر مكعب سنوياً، حيثُ شرعت إسرائيل إلى إحاطة موقع النبع بسياج ضخم وبدأت بتحويل مجرى النهر قرب منبعه بحيثُ يترفع منسوبه إلى 271 متر فوق سطح البحر إلى نقطة في فلسطين يتراوح منسوبها ما بين 200- 250 متر ليعاد ضخه صعوداً باتجاه القناة الاستراتيجية التي تربط طبريا بالنقب، حيثُ استخدمت أنابيب مصفاة الزهراني لجر مياه الحاصباني.

وفي عام 1984 قال (( زيماش يشاي)) مفوض الماء العام الإسرائيلي" أن لإسرائيل طلباً محقاً في مياه الوزاني وهي ستعارض أية محاولة تجري في المستقبل للسيطرة على المنطقة وتحويل هذه المياه" وكما قامت إسرائيل في عام 1986 بتسيج عدة هكتارات شمال منطقة " المطلة" قرب نبع الوزاني بعد طرد المزارعين اللبنانيين" (4).

وفي عام 1989 بدأت إسرائيل بمد أنابيب بقطر 6 بوصات من نبع العين المتفرع من نهر الجوز أحد روافد الحاصباني إلى شمال إسرائيل لتسرق ما قدره 10 مليون م3 سنويا.

نهر الليطاني:

وينبع من نبع العليق جنوبي غرب مدينة بعلبك ويجري جنوباً ماراً في مدينة صيدا ثم ينعطف غرباً من (( قلعة شقيف)) ماراً في بلدة الزرارية ثم إلى القاسمية شمالي مدينة صور ليصب في البحر المتوسط ويبلغ طوله 160 كم ومساحة حوضه 2168 كم2 وغزارته ما بين 3- 9 أمتار مكعبة في الثانية أي ما يعادل 800 مليون م3 سنويا. وخلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 تم السيطرة على 30 كم من مسار نهر الليطاني ونفذت إسرائيل مشروع تحويل مياه نهر الليطاني من خلال حفر نفق يمتد من أسفل الخردلي تحت بلدة (( دير ميماس)) إلى ((سهل الحولة)) بين جسر ((بنات يعقوب)) و ((السلطان إبراهيم)) وبذلك تسقط المياه بالجاذبية بين هذين المستويين وعبر نفق طوله 17 كم وذلك لتأمين 150 مليون متر مكعب سنوياً من المياه العذبة لري مساحة 25 ألف هكتار والسعي لتوطين مليون مهاجر يهودي عند استقرار الحالة الأمنية.

وفي عام 1990 أنهت إسرائيل المرحلة النهائية من مشروع تحويل مياه الليطاني إلى بحيرة طبريا عبر استخدام أنابيب مطمورة تحت الأرض " أن الاجتياح الإسرائيلي جاء لتأكيد أطماع إسرائيل بمياه الليطاني وتوسيع حزامها الأمني إلى شمال منطقة جسر الخردلي وصولاً إلى شرق صيدا والتحكم بمجرى نهر الليطاني في المنطقة الممتدة من مخرج معمل تركيا من البقاع الجنوبي إلى مأخذ قناة القاسمية في الزرارية جنوباً" (5).

وعليه فإن سرقة مياه الليطاني تمت في وضح النهار وتريد إسرائيل من أصحاب ((البيت اللبناني)) إضفاء شرعية على هذه السرقة مقابل الانسحاب من الجنوب وبتعبير أخر الانصياع للقرار الدولي 425 مقابل تنازل لبنان عن حقوقه المائية والاعتراف بحق إسرائيل بهذه المياه وبهذا تكون إسرائيل قد حققت من خلال ذلك عدة مكاسب:

   ·   إضفاء الشرعية على سرقة المياه.

   ·   الظهور بمظهر الدولة المحترمة للقرارات الدولية.

   ·   فصل المسار اللبناني عن المسار السوري.

   ·   ضرب المقاومة اللبنانية عبر استدراج الجيش اللبناني للعب دور الشرطي لحماية شمال إسرائيل.

اقتراحات إليشع كالي لاستثمار المياه اللبنانية:

1- مشروع لتوليد الطاقة الكهربائية من مياه الحاصباني:

سيتغل المشروع 100 مليون متر مكعب سنوياً ( 80% من طاقة تصريف النهر) وذلك بإنشاء خزان داخل الحدود اللبنانية على ارتفاع 300 متر ومد أنبوب ضغط يصل الخزان بمحطة طاقة يحدد موقعها داخل إسرائيل في مكان قريب من مجرى النهر على ارتفاع 120 متر وتبلغ تكلفة المشروع 24 مليون دولار وينتج طاقة قدرها 40 مليون كيلو وات ساعي سنوياً، ويمكن أن يشمل المشروع تحويل مياه الليطاني إلى الحاصباني شمالي بحيرة طبريا أو عن طريق تحويل الحاصباني إلى الليطاني أو إلى العيون شمال منطقة الاستغلال عوضاً عن الخزان المذكور.

2- مشروع تحويل مياه الليطاني إلى حوض طبريا:

وذلك بحفر نفق بطول 6- 8 كيلو مترات من أجل تحويل الليطاني إلى الحاصباني أو إلى العيون وهناك خياران لذلك:

   ·   خيار التحويل إلى الحاصباني فوق " بركة الليطاني" وخزان الخردلي المصصم.

   ·   خيار التحويل من الليطاني إلى نهر العيون عند منحدر الخزان المصمم.

سيتم استغلال 100 مليون متر مكعب سنويا وسينتج طاقة قدرها 20 مليون كيلو وات ساعي سنوياً يضاف إليها 50 مليون كيلو وات ساعي سنوياً من محطة المغور الإسرائيلية المقرر إنشاءها شمال بحيرة طبريا وتقدر تكاليف المشروع 8 ملايين دولار.

أن اقتراحات إليشع كالي هي عبارة عن ملحقات لمشروع تم تنفيذه سابقاً (جزءاً منه الأراضي اللبنانية  والباقي  على الأراضي الإسرائيلية) والمطلوب بهذه الاقتراحات إكمال الجزء المتبقي من المشروع في عمق الأراضي اللبنانية والاستفادة القصوى من المياه اللبنانية ومن مشاريع الطاقة الكهربائية التي ستحقق لإسرائيل طموحاتها بتوطين المهاجرين الجدد.

ومما سبق فإن الانسحاب الإسرائيلي وفق القرار 425 دون تحقيق مكاسباً على أرض الواقع يعتبر (دعابة سخيفة) تطلقها إسرائيل ولو تم الانسحاب بتحقيق المكاسب فلن يسلم شمالي إسرائيل من رد المقاومة اللبنانية وهو حق مشروع طالما الانتهاك للسيادة اللبنانية مستمر، وأن سياسة الأمر الواقع التي تفرضها إسرائيل باتت مرفوضة في القاموس السياسي العربي، وأن مشروع التعاون الإقليمي الذي تطرح إسرائيل " بصورة انتقائية" يجب أن يشمل كافة المسارات بما يحقق المصالح المشتركة لجميع دول المنطقة دون استثناء وعلى قدم المساوات.

أن أزمة المياه هي (أم الأزمات) بين إسرائيل والعرب والحل يكمن في إعادة مصادر المياه إلى أصحابها الشرعيين ثم البدء بمفاوضات ثنائية تستند إلى القانون الدولي في حل النزاع المائي وفي حال عدم وصول الأطراف المعنية إلى اتفاق مشترك حينها يمكن إجراء تحكيم دولي عبر إحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية. 

(1) اقتباس عن أحمد بهاء الدين- المستقبل العربي العدد 369 عام 1984.

(2) جريدة السفير اللبنانية في 22/12/1984.

(3) جريدة الحياة 24/1/ 1990.

(4) صحيفة تشرين السورية في 1/ 8/ 1990.

(5) جريدة النهار البيروتية تاريخ 11 /2/ 1983.