إقامة محطات لتحلية المياه ومحطات لتنقية مياه الصرف الصحي

 

نعتقد أن العراق بحاجة إلى إقامة عدد محطات تحلية المياه ومحطات لتنقية مياه الصرف الصحي، بهدف سد العجز بمياه الشفة وإعادة تدوير المياه لمواجهة المتطلبات المائية المتزايدة مقابل ثبات حجم المياه المتاحة. وتلك المحطات المقترحة يجب أن تكون من الجيل الصناعي الحديث وذات أغراض متعددة ( مياه الشفة؛ والكهرباء؛ وإعادة تدوير المياه ) وستحقق تلك المحطات الأهداف الأساسية لمستلزمات التنمية لإعادة الأعمار في العراق. ولكي تكون تلك المحطات ذات فعالية عالية وتحقق أهدافها المتوخاة يتوجب اختيار مواقعها بشكل دقيق وتبعاً للحاجة وتوفر مستلزماتها من الطاقة الرخيصة ومصادر المياه الخام، وعليه نقترح المواقع التالية لمحطات تحلية المياه:

أولاً : إقامة محطات لتحلية المياه

ونقترح أن تكون مواقع تلك المحطات في:

1- إقامة محطتان لتحلية المياه في محافظة البصرة :

تعد الحاجة لإقامة محطات تحلية المياه في البصرة كبيرة وملحة نظراً لما تعانيه هذه المحافظة من نقص حاد بمواردها من مياه الشفة والكهرباء، بالرغم أنها ملتقى لنهري دجلة والفرات فلم يتسنَ لها الحصول على المياه من مياه النهرين نظراً لتلوث المياه نتيجة الاستخدامات المختلفة على طول المجرى للنهرين إضافة إلى الطبيعة الجيولوجية لمجرى النهرين عند المصب والتي أساءت إلى نوعية المياه. فقد وصلت درجة التلوث لمياه النهرين عند المصب بين 1800-2000 جزء في المليون، وهذا النسبة بمقايس منظمة الصحة العالمية تعد مياهاً غير صالحة للشرب والاستخدام دون تنقيها وتسبب أضرراً على السكان والزراعة عند استخدامها.

وتوجد محطة لتحلية المياه ( من جيل الستينات ) في محافظة البصرة ويصل إنتاجها 1% من إنتاج المياه المحلاة في الوطن العربي، وهي تغطي قسماً من الاحتياجات السكانية. وبالرغم من الزيادة السكانية والتوسع العمراني في المدينة وتعرضها للخراب في الحربين الخليجيتين خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فأنها لم تلحظ بأي اهتمام من قبل النظام البائد مما أدى إلى استفحال أزمتها بمياه الشرب.

لذا، نقترح إنشاء محطتان من نوع محطات ( التقطير الوميضي المتعدد المراحل ) لتأمين متطلبات المدينة من مياه الشفة، ولتقليل كلفة إنتاج وحدة المياه ومنع التلوث الهوائي فمن الضروري استخدام طاقة رخيصة للتشغيل عبر مد أنابيب محكمة من حقول الرميلة النفطي لاستخدام الغاز المحترق( هدراً ) من آبار النفط لتشغيل محطات التحلية. كما نطالب أن تكون هذه المحطات ذات غرض مزدوج ( تحلية المياه وإنتاج الطاقة الكهربائية ) وبالتالي يمكننا بهذا الإجراء حل مشكلتين كبيرتين تعاني منها محافظة البصرة وضواحيها.

2- إقامة محطة تحلية للمياه في محافظة الناصرية :

تقع مدينة الناصرية على نهر الفرات، لكنها تحصل على مستلزماتها من مياه الشفة من نهر الغراف أحد فروع نهر دجلة. والسبب يعود إلى الطبيعة الجيولوجية لمجرى نهر الفرات بين محافظة السماوة والناصرية حيث تزداد العناصر الذائبة من التربة ( الصخور ) المكونة لمجرى الفرات التي تعكر المياه وتسيء لنوعيتها حيث يزداد عُسر المياه. وبما أن حصة العراق المائية من نهر دجلة خفضت ( وستخفض مستقبلاً ) يتوجب تخفيف ضغط الاستهلاك على مياه النهر لصالح الاستخدامات الأخرى، وعليه نجد أنه من الضروري والمناسب إقامة محطة لتحلية المياه على الجانب الغربي لنهر الفرات بسبب: قربها من أنبوب الغاز الممتد من حقل الرميلة باتجاه تركيا حيث يمكن استخدام الغاز لتشغيل المحطة؛ وجود مصدرين للمياه الخام ( نهر الفرات وقناة المجرى العام للنهر الثالث ) وفي حالة استخدام المياه الخام من قناة المجرى العام سيتم إعادة تدوير  مياه الصرف الزراعي، وتعد هذه الطريقة إحدى طرق تنمية الموارد المائية في القطر.

وبما أن المحطة المقترحة ذات هدف مزدوج فأنها ستؤمن المياه والكهرباء للمدينة وضواحيها وتقليل الضغط على شبكة الكهرباء القطرية بل يمكنها تزويد الشبكة القطرية بالكهرباء الفائض عن حاجة المدينة.

3- إقامة محطة تحلية للمياه في محافظة السماوة :

تقع محافظة السماوة على نهر الفرات، وقد عانت هذه المدينة على مدى عقود عديدة من قيام الدولة العراقية من عدم توفر مستلزمات الحياة الكريمة بسبب مواقفها الشجاعة لمناهضة الظلم والاستبداد الذي مارسته الأنظمة المتعاقبة على العراق. لذا فأنها عانت من الإهمال والتهميش شأنها شأن شقيقاتها من محافظات الجنوبية، وعليه نقترح إقامة محطة لتحلية المياه بالقرب من ( بحيرة ساوه ) ذات المياه المالحة بغرض تنمية الموارد المائية في العراق وتقليل الاعتماد على مياه نهر الفرات لصالح الاستخدامات التنموية الأخرى. وهناك عدد من المسببات التي تدعونا لهذا الاقتراح منها :

¨         تنمية الموارد المائية في العراق، وتقليل ضغط استخدامات من مياه نهر الفرات.

¨          إقامة منتجعات سياحية بالقرب من البحيرة، نظراً لخاصية هذه الواحة المالحة وسط الصحراء.

¨     عند توفر المياه والكهرباء يمكن لهذا المنطقة أن تكون مركزاً لربط الصحراء والمدينة، حيث يمكن فتح أسواق تبادل المنتجات بين سكان البادية والمدينة.

¨          يمكن إقامة مزارع للأسماك البحرية لغرض تغطية حاجات السوق المحلية من منتجات الأسماك.

وستعتمد محطة التحلية في تشغيلها على أنبوب الغاز  المار  بقربها نحو تركيا، لذا فأن تكاليف التشغيل ستكون رخيصة وبالتالي تكلفة إنتاج وحدة المياه. وبما أن المحطة ذات غرض مزدوج ( مياه الشفة والكهرباء ) فأنها ستؤمن الطاقة الكهربائية للمحافظة وضواحيها وتقليل الضغط على شبكة الكهرباء القطرية بل تعمل على تزويد الشبكة القطرية بالطاقة الكهربائية الفائضة عن الحاجة.

4- إقامة محطة تحلية للمياه في محافظة كربلاء :

تقع مدينة كربلاء على أحد روافد نهر الفرات ( نهر الحسينية ) المتفرع من سد الهندية وتستمد المحافظة حاجتها المائية من نهر الفرات. وتعرضت محافظة كربلاء وسكانها لأذى مضاعف من قبل السلطة المستبدة نتيجة مواقفها ضد النظام البائد شأنها شأن المدن العراقية الأخرى، وتم معاقبة سكان المحافظة بشكل جماعي على مدى ثلاثة عقود من الاستبداد في العراق.

 لذا فإن المدينة تعاني من الإهمال في جميع مرافقها الأساس ( خاصة المياه والكهرباء ) وعليه نقترح إقامة محطة التحلية عند بحيرة الرزازة ( بحيرة أبو دبس ) ذات المياه المالحة ( نسبياً ) وتعتبر بحيرة الرزازة خزاناً لمياه الفيضانات لنهر الفرات وكذلك خزاناً احتياطياً للمياه يمكن استخدامه حيث تم حفر قناة لإعادة تدوير المياه نحو الفرات ثانيةً. وكذلك فإن ارتفاع منسوب الماء الأرضي أغرق ( السردايب والمخازن ) لبيوت كربلاء بالمياه، وقد زاد من هذه الظاهرة إهمال الصيانة لشبكات الصرف الصحي وتسربات مياه شبكات مياه الشفة.

إن إقامة محطة التحلية ستعمل على استهلاك كميات كبيرة من مياه البحيرة لغرض التحلية لتأمين مستلزمات المحافظة من مياه الشفة وبالتالي فإنها ستعيد التوازن لمياه البحيرة مما يؤدي للحد من التسرب الأرضي نحو مركز المحافظة. وبهذا الصدد نطالب بإجراء دراسة جيولوجية لمحيط البحيرة لتحديد منافذ التسرب المائي والعمل على إغلاقها عبر استخدام خراطيم الضخ الاسمنتي العازل لتلك المنافذ.

وتهدف محطة التحلية في موقع بحيرة الرزازة إلى :

¨         تأمين حاجة المحافظة للكهرباء، وتزويد الشبكة القطرية بالفائض عن الحاجة.

¨         تأمين مياه الشفة اللازمة لتقليل الضغط على محطات تنقية المياه القائمة والتي لاتفي بالمتطلبات.

¨         تقليل ضغط الاستهلاك لمياه نهر الفرات من خلال تنمية الموارد المائية غير التقليدية.

¨     إقامة المنتجعات السياحية، خاصة أن المدينة تعتبر مركزاً سياحياً (السياحة الدينية) إضافة إلى وجود العديد من المواقع الأثرية ( كموقع الأخيضر ) ومواقع سياحية ( كعين التمر ) ذات العيون المائية الخمسة وسط الصحراء[1]. إضافة إلى الريف الجميل الذي يحيط بالمدينة حيث بساتين الحمضيات والرمان والنخيل الذي يزيدها سحراً نهر الحسينية وروافده المنتشرة بين تلك البساتين الغنية بخيراتها.

ثانيا: إقامة محطات  لتنقية مياه الصرف الصحي

تعاني أغلب المدن العراقية من الإهمال وضعف الصيانة لشبكات الصرف الصحي وعدم وجود محطات تنقية حديثة وانتهاء العمر الافتراضي للمحطات القديمة، وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود من حكم النظام البائد عانت المدن العراقية خاصة الجنوب من الإهمال المتعمد بغية إضعاف مقومات الحياة والتنمية فيها. لذا يتطلب الأمر إقامة محطات تنقية حديثة في تلك المدن تتناسب وحجم التزايد السكاني، إضافة إلى إقامة شبكات صرف صحي جديدة نظراً لانتهاء العمر الافتراضي لأغلب تلك الشبكات القديمة.

ونطالب أن تكون محطات التنقية الجديدة ذات أغراض متعددة ( تنقية المياه؛ وإنتاج الكهرباء؛ وإعادة تدوير المياه ) لسد حاجات العراق المتزايدة من الكهرباء وكذلك تنمية الموارد المائية غير التقليدية، إضافة إلى إعادة تأهيل مستلزمات صيانة البيئة من أجل السلامة الصحية العامة للمواطنين. ونشدد على إقامة ثلاثة محطات حديثة في مدينة بغداد التي وصل عدد سكانها بين 4 - 6 ملايين نسمة، حيث تعاني أطرافها الفقيرة ( خاصة مدينة الثورة ) التي يسكنها أكثر من مليون ونصف نسمة من الإهمال المتعمد على مدى العقود السابقة.

إن الإجراءات المقترحة لاتتحدد بالأهداف التي ذكرناها سابقاً فقط وإنما إحكام السيطرة على مسببات التلوث في العراق سيؤدي إلى تقليل الأنفاق الحكومي على الجانب الصحي ( فالوقاية خير من العلاج ). ولابد من الإشارة إلى أن حجم الاعتمادات المالية المطلوبة لإنشاء تلك المحطات مرتفعاً، كذلك سقف ( مطالبنا ) المشروعة للنهوض بمقومات التنمية، مع عدم إغفالنا لحجم الموارد المالية الحكومية التي يمكن تأمينها للمتطلبات الأساسية في السنوات القادمة.

لذا نقترح أن تشكل لجنة علمية تقوم بدراسة ( فنية ومالية ) لتلك المشاريع وفيما بعد يتم التنسيق مع منظمات المجتمع المدني في الخارج والمغتربين العراقيين والمنظمات الإنسانية العراقية على تقديم تلك الدراسات للمشاريع للدول التي يتواجدون بها للحصول على الدعم المالي أو التكنولوجي لإقامة تلك المشاريع في العراق.

ونحيط علماً المنظمات والمغتربين العراقيين بوجود منظمات إنسانية خاصة في الاتحاد الأوربي وبقية الدول يمكنها تقديم العون في هذا المجال، بل أن الاتحاد الأوربي لديه مخصصات بمليارات الدولارات سنوياً لمساعدة الدول النامية ولا يتطلب الأمر سوى تقديم دراسة علمية ومالية بتلك المشاريع ليتم تخصيص الاعتماد اللازم لها. وهذه المهمة، هي مسؤولية أخلاقية-وطنية تقع على عاتق كل المغتربين العراقيين اللذين يودون المساهمة في إعادة الأعمار الوطن الذي أنهكته الحروب والمقابر الجماعية وانتهاك كرامة المواطن.

ستوكهولم بتاريخ 27/8/2003.

الباحث والخبير

 بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي



[1] بهذا الصدد نطالب بتحويل المطار العسكري في منطقة الرزازة إلى مطار دولي، لتأمين الخدمة السياحية لكل من محافظات كربلاء والنجف والحلة حيث المراقد الدينية والمواقع الأثرية.