مسببات تلوث المياه العذبة وسُبل معالجتها وصيانتها

 

يعد تلوث المياه العذبة من  اخطر أنواع التلوث البيئي في العالم، حيث أنها لا تشكل سوى ما نسبته واحد في المائة من إجمالي حجم المياه في العالم. وقد طال التلوث قسماً من تلك المياه بفعل النشاطات الإنسانية اللا مسؤولة اتجاه الطبيعية، إضافة إلى العوامل الطبيعية الأخرى. وتعتبر مسببات التلوث المائي في العالم واحدة لذا فأن سُبل الحد منها متقاربة تبعاً لنوع ومسببات العناصر الملوثة، وتعاني مصادر المياه العذبة في العراق من ذات المسببات للتلوث المائي. ومن المتوقع أن تساهم الشركات الأجنبية في إعادة أعمار العراق، لذا نلفت انتباه وزارتي البيئة والموارد المائية وسلطة الحكم الانتقالي إلى ضرورة إيلاء البيئة العراقية الاهتمام اللازم وفرض رقابة بيئية صارمة (خاصة بيئة المياه) على عمل تلك الشركات. ونعرض في هذه الدراسة  أهم مسببات التلوث المائي والإجراءات العالمية المعتمدة للحد آثارها السلبية:      

أولاً- أهم مسببات التلوث البيئي للمياه العذبة:

1-مياه الصرف المنزلية، التي تنتج مخلفات تصل إلى 50 كغ للشخص في المدن الكبرى.

2-مياه الصرف الصناعي الناتجة عن مخلفات المصانع من الشحوم والزيوت والمواد الكيماوية.. وغيرها.

 3-مياه الصرف الزراعي المحتوية على كميات لا بأس بها من المبيدات الحشرية والأسمدة والفضلات الحيوانية.

4-مخلفات المضخات المائية (من مواد زيتية وبترولية)  المنصوبة على مصادر المياه العذبة.

5- الأمطار الحمضية التي تهطل ( وتتسرب) على البحيرات ومجاري الأنهر والمياه الجوفية والمشبعة بأكاسيد الكبريت[1].

كما يلاحظ أن تلك المسببات هي من مخلفات الإنسان أو من ممارساته غير المسؤولة بحق الطبيعية، حيث نجد أن قسماً منها هو نتيجة طبيعية للحياة اليومية ( كمياه الصرف المنزلي) التي يمكن تنقيتها  وإعادة استخدامها في مجالات أخرى كمياه رمادية أو تلقى في البحار.

 أما مياه الصرف التي تعتبر نتاجاً للاستخدامات الصناعية والزراعية.. فإنها نتاج فعل غير طبيعي للحياة اليومية للإنسان كونها تلقى في مجاري المياه العذبة أو البحار بالرغم من المعرفة المسبقة بخطورتها على الطبيعة.

ويعود إهمال الجانب البيئي في (بعض) المشاريع المائية، إلى جملة من الأسباب منها: قلة الوعي البيئي خاصة في الدول النامية؛ وقلة الموارد المالية المخصصة للمشروع؛ وتفشي البيروقراطية والفساد الإداري؛ وقلة الخبرة والنظر للمشروع نظرة أحادية الجانب؛ وانعدام التنسيق بين مؤسسات قطاع المياه لتعيين الأهداف المشتركة للمشروع..وغيرها. ونعتقد هناك بعض العقبات الحكومية التي تحول دون الاهتمام بالجانب البيئي لإقامة تلك المشاريع أهمها[S1] :

1-الديون وتدهور الأوضاع المالية للبلدان النامية.

2-عدم وجود سياسات ملاءمة ومتماسكة في هذا الميدان.

3-التأخر في إنجاز المشاريع الملحقة بالمشروع الأصلي والمكملة له ( أي القنوات..الخ) بعد إنجاز القسم الأساسي منه ( السد.. مثلاً) الأمر الذي يبطئ عملية تحقيق الأرباح المتوقعة من جرائه.

4-غياب أو عدم ملائمة عمليات المراقبة، والدراسة، والتقييم، سواء على المستويين الوطني أو الدولي.

5-النقص في اليد العاملة التقنية الماهرة.

6-عدم توفر المساهمة المجزية في ميدان التخطيط للمشاريع، وتنفيذها، وتشغيلها.

7-انخفاض المستوى المعرفي، والأبحاث الملائمة، والحوافز الضرورية لاستخدام تكنولوجيات ومقاربات جديدة.

8-الضعف المؤسسي وغياب التنسيق بين الوزارات المعنية.

9-غياب التنسيق بين الجهات الدولية المانحة، الأمر الذي يؤدي إلى إغفال الجوانب البيئية.

10-عدم ملاءمة أو كفاية مشاريع التنمية التي تعرضها الهيئات الدولية المانحة، على سبيل المثال: إقامة شبكة للري من دون معالجة مشكلة تصريف المياه، عموماً، ومياه الأمطار خصوصاً.

تلك العقبات، نجدها متفاوتة من بلد لآخر خاصة في البلدان النامية. إن الحَّد من تلك العقبات ليس مسؤولية وطنية وحسب، وإنما مسؤولية دولية خاصة منظمات الأمم المتحدة والدول المانحة للقروض والمساعدات كونها تمتلك الخبرة التقنية والعلمية اللازمتين لتقليل تأثير تلك العقبات على مشاريع التنمية المائية.

وبغية تحقيق فرص أكبر لنجاح المشاريع المائية من الناحية البيئة، نقترح وضع شروط بيئية محددة لتلك المشاريع المائية تتولى الأشراف على تنفيذها المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة ذات العلاقة أو لجان بيئية متخصصة من الدول المانحة، وفي حال عدم الالتزام من قبل تلك الدول بالشروط البيئية يتم حجَّب تلك المنح أو فرض عقوبات مالية على حكوماتها لإجبارها على الالتزام بتلك الشروط.

إن عملية تنقية تلك المياه خاصة الصناعية منها، قد تكلف الشركات الصناعية أموالاً طائلة لذا تسعى جاهدةً للتملص من مسؤولياتها. وعليه، فإن المسؤولية تقع على حكومات تلك البلدان التي لا بد أن تفرض رقابة صارمة على الشركات ( الخاصة والعامة) بغية تقليل نسب التلوث في مجاري الأنهار والبحيرات والبحار، وتلك الرقابة بحاجة إلى آلية قانونية ومسؤولية جماعية تجاه الطبيعة[2].

ثانياً- طرق قياس تكاليف التلوث[S2] :

1-فقد وخسارة في المصادر الطبيعية من خلال الاستغلال الجائر وغير الضروري، لذلك يعتبر أحد أوجه التلوث استنزافاً وقضاءً على هذه الثروات الطبيعية.

2-تكلفة التخلص من التلوث والملوثات والمراقبة والتحكم على سبيل المثال: تنظيف ومعالجة مياه المجاري؛ وتكاليف تجميع الفضلات المبعثرة ونقلها والتخلص منها أصبحت باهضة جداً. ويتوقع المختصون ارتفاعاً في تكاليف إزالة التلوث الناتجة عن الآليات بأنواعها وعن محطات توليد الطاقة بحيث سيتضاعف (مائة مرة) خلال السنوات الثلاثين القادمة.

3-تكاليف الحفاظ على صحة الإنسان: وفي هذا المجال، تكون تكاليف التلوث باهضة لأنها تتعلق بالإنسان المسبب ذاته والغاية ذاتها، الذي يتعرض مباشرة للآثار السيئة والخطيرة للتلوث.

إن تكاليف التلوث، لا تقتصر على النقاط السالفة الذكر. وإنما تؤطرها عوامل أخرى قد يكون تأثيرها سلبياً في حال حدوثها وبالتالي فأنها سترفع تكاليف صيانة البيئية بشكل مضاعف مثل حدوث كوارث بيئة من زلازل و براكين تؤدي إلى انهيار وتحطم مخازن لمواد مضرة بالطبيعة.

 أما عامل الزمن فأنه يلعب دوراً كبيراً في زيادة أو تقليل تكاليف صيانة البيئة، فكلما طال الزمن زادت التكاليف لأن مخاطر التلوث تزداد مع تخريب العناصر الطبيعية. بمعنى آخر، كلما كانت وسائل رصد مناطق التلوث متطورة وسريعة تمكنا من تحديد مناطق التلوث ومنع انتشاره بفترة زمنية أقل.

وفي دراسة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة عن تكلفة صيانة البيئة وجد: أن تكلفة صيانة التنوع البيولوجي أقل بكثير من كلفة العواقب التي ستحل بالبيئة. إذا ( سمحنا) بتردي وتدهور البيئة، ويتحمل ( هذا الجيل) مسؤولية اجتماعية جسيمة ، تتمثل في أن تنقل إلى الأجيال القادمة كامل تراث التنوع البيولوجي الذي ورثناه لأن ذلك سينتج للأجيال المقبلة إمكانية مواجهة التغيرات البيئية والاحتياجات غير المتوقعة.

 إن الموارد الطبيعية، تستغل اليوم بمعدلات تتجاوز قدرتها على مواصلة إمدادنا بالمنتجات الطبيعية. فالأراضي، التي تستغل لشق شبكات الطرق السريعة والتوسع العمراني إلى جانب تجفيف الأراضي الرطبة والرعي الجائر وقطع الغابات وحرائق الغابات، كلها أمور تلحق أضراراً خطيرة بالموارد الطبيعية. وكل عام تتعرض مساحة تزيد على 5 ملايين هكتار من الأراضي الزراعية للتدهور.

ثالثاً- الحد من تلوث المياه:

هناك كميات كبيرة من المياه العذبة في العالم خرجت من حيز الاستخدام البشري بسبب النشاطات الضارة للإنسان اتجاه الطبيعة خاصة النشاطات الصناعية، بالإضافة إلى معدلات النمو الديمغرافي المرتفعة وزيادة عدد سكان المدن وما يترتب على ذلك من ارتفاع بمستويات التلوث في المياه والطبيعة. ويعاني الوطن العربي من ذات المشكلة التي تسببت بخروج كميات كبيرة من مياهه من حيز الإنتاج ، ويمكن إيجاز أهم أسباب تلوث المياه في الوطن العربي بالنقاط التالية[s3] :

1-وجود معدلات عالية من التزايد السكاني، وأتساع المدن مع ازدحام سكاني في المدن الكبيرة نتيجة الهجرة من الريف إلى المدينة. كل ذلك أدى إلى تزايد كبير على طلب مياه الشرب وارتفاع كميات مياه الصرف المطروحة.

2-تشهد البلدان العربية في السنوات الأخيرة نهوضاً صناعياً، مع تركيز للمصانع في المدن الكبيرة وظهور صناعات جديدة تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه النقية وطرحها فيما بعد وهي مياه ملوثة في مجاري الأنهر. وإذا علمنا أن معظم تلك المصانع غير مجهزة بمحطات للمعالجة أدركنا مدى خطورتها على البيئة.

3-تناقص مضطرد في كميات المياه المتوفرة في الوطن العربي، إما نتيجة لعوامل الجفاف أو نتيجة لتحويل مجرى الأنهار الدولية التي تصب في الوطن العربي ( النيل؛ ودجلة؛ والفرات؛ والأردن).

4-انعدام الاهتمام بمشكلة التلوث، واعتبارها ثانوية أمام المشاكل الأخرى المطروحة بكل ثقلها على كاهل الأمة العربية. وغياب الهيئات الشعبية المدافعة عن البيئة علماً بأن مثل تلك الهيئات هي التي أجبرت الحكومات والصناعيين في أوروبا على احترام البيئة والتقيد بقوانين صارمة.

5-استخدام بعض المبيدات الحشرية والأسمدة الزراعية والمواد المنظفة التي أثبتت الأبحاث العلمية ضررها الكبير على البيئة، والتي مُنع استخدامها في الدول المصنعة. ولكن (للأسف) ما زالت تٌستخدم في الوطن العربي، إما لبخس أثمانها أو لانعدام المراقبة الكافية من قبل الهيئات المختصة.

ويمكننا إضافة بعض النقاط الأخرى الهامة عن أسباب التلوث وهي:

6-عدم وجود شبكات صرف تغطي كافة المدن والقصبات، يدفع نحو التخلص من مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي عبر إلقائها في مجاري الأنهار والبحيرات.

7-الاستخدام الجائر للمياه الجوفية يؤدي إلى تملحها وتلوثها بمياه البحر[3].

8-تداخل مياه البحار نحو مصبات الأنهر في المناطق الساحلية إما بسبب التقديرات الخاطئة لجريان مياه الأنهار نحو المصبات والتي يجب أن تزيد قوة جريانها على قوة تدافع أمواج مياه البحار نحو المصبات، وإما بسبب الجريان الموسمي لتلك الأنهار كما هو الحال في نهر السنغال قبل إقامة السدود على مجرى النهر بغرض منع تدفق مياه البحر نحو المجرى خلال فترة الصهيود.

9-استخدام المبيدات الحشرية ومخصبات الزراعة بشكل مفرط وبعدم وجود شبكات صرف زراعي أدى إلى تحلل قسماً منها وتسربه نحو المياه الجوفية أو مجاري الأنهار.

10-الكوارث الطبيعية ( الزلازل؛ والفيضانات؛ وحرائق الغابات) تؤدي إلى تلوث المياه.

رابعاً- أهم الإجراءات العالمية المتبعة للحد من تلوث البيئة المائية[S4] :

1-التقييم المتواصل للقدرات المؤسساتية على المستوى القومي وعلى مستوى دول الحوض بأكمله، بما في ذلك القوى البشرية والبحوث.. وغيرها.

2-تطوير نظام موحد على مستوى حوض النهر، لإجراء التقييم البيئي لموارد المياه والمسائل ذات الصلة بها، مثل كمية المياه ونوعيتها واتجاهات الاستهلاك والطلب في كل أوجه استخدام المياه.

3-تقييم الأثر البيئي على مستوى حوض النهر ( سلباً أو إيجاباً).

4-التقويم المتواصل لمصادر التلوث، والاهتمام على وجه الخصوص بمسألة تلوث مصادر المياه.

5-القيام بدراسات استقصائية- اجتصادية - وإجراء البحوث البيئية في حوض النهر لتقويم نوعية المياه وأحوال شبكة النهر والبيئة المناسبة للكائنات الحية (الساحلية والبحرية).

6-تطوير برامج لجمع البيانات وتبادلها واستحداث قنوات لنشر المعلومات على جميع قطاعات الجمهور ومستوياته، مع تشجيع عملية المشاركة الجماعية.

الإجراءات السابقة الذكر، قد لا تكون كافية في حال اتخاذها على مستوى قطري خاصة في حوض مائي دولي. يعتبر حوض النهر، وحدة مائية متكاملة[4] ولا يمكن أن تكون الإجراءات البيئية المتخذة تقتصر على جزء منه دون آخر، وعلية فإن الإجراءات يجب أن تتخذ على مستوى الحوض بالكامل.

 أو بمعنى آخر، إن التنسيق البيئي على المستوى الإقليمي ضرورة (موضوعية) لتحقيق نتائج عملية وتخطي عتبة التلوث على مستوى الأحواض المائية المشتركة. ويتطلب ذلك إجراء تنسيق دولي على مستوى القارة وعلى المستوى العالمي بغية تحقيق الأغراض المرجوة.

ستوكهولم بتاريخ 1/9/2003.

 

الباحث والخبير

  بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي             

 

 



[1] للمزيد راجع صاحب الربيعي (( ملف التلوث البيئي في العالم)) المنشورة على 12 حلقة في صحيفة الوفاق العراقية الصادرة في لندن أعداد ( 119-130) ومن تاريخ 23/6-15/9/ 1994.

[2] من المتوقع أن تساهم العديد من الشركات الأجنبية في إعادة الأعمار العراق، لذا يتوجب على الجهات المعنية عند إبرامها للعقود مع تلك الشركات إن تلزمها بالشروط البيئية اللازمة لسلامة البيئة العراقية من أي تخريب خاصة بيئة المياه. وتتحمل تلك الشركات جميع التكاليف اللازمة لإزالة التلوث عند حدوثه وما يترتب عليه مستقبلاً، كما يجب أن تلحظ جميع المشاريع المائية والصناعية المقترح تنفيذها الشروط البيئية التي حددها البنك الدولي بغية ضمان سلامة البيئة.   

[3] للمزيد راجع صاحب الربيعي ((المياه الجوفية في الوطن العربي)) دار الكلمة، دمشق 2002.

[4]  للنهر ثلاثة أبعاد من وجهة نظر بيئية هي: النهر نفسه وبيئية؛ التفاعل بين النهر والمنطقة المجاورة لمجراه؛ ووظيفة النهر كوسيلة تتم عبرها المبادلات بين بيئات شديدة التنوع. تيننباوم 1994& داينيسيوس ونيلسوس 1994 ص 753. اقتباس من أسيت ك.بيسواس وجون كولارس-مصدر سابق ص 82.


 [S1] أسيت ك. بيسواس وجون كولارس وغيرهم (( الوسط والأطراف- مقاربة شاملة لمياه الشرق الأوسط)) ترجمة فادي جمود، دار النهار  بيروت 1998 ص 80.

 [S2] د. فؤاد الصالح-مصدر سابق ص 24.

 [s3] جورج ميتان ((المياه في الوطن العربي-رهانات وأزمات)) ترجمة الحايك والدبيات، دار الباحث، (السلمية-سوريا) 2001 ، ( مقدمة المترجم نصر الحايك) ص ه ، و.

 [S4] يحيى عبد المجيد في بحث له في كتاب بيتر روجز وبيتر ليدون (( المياه في العالم العربي- آفاق واحتمالات المستقبل)) ترجمة شوقي جلال، مركز الإمارات الدراسات الاستراتيجية والبحوث،  أبو ظبي 1997 ص 197،198.