إعادة تأهيل الحزام الأخضر حول المدن

 

تعاني البيئة العراقية من التخريب المتعمد شانها شأن كافة قطاعات التنمية الأخرى، جراء سياسات النظام البائد وسيطرة حفنة من المتخلفين وحثالة المجتمع على السلطة السياسية على مدى 35 عام. وتتطلب صيانة البيئة ومكافحة ظاهرة التصحر التي تفشت في القطر جهوداً كبيرة من اجل إصلاح الخلل الذي طال الغطاء الحراجي وكشف ستر الأرض وتسبب في تدهور الأراضي الزراعية وزحف أحزمة الصحراء نحو المساحات الخضراء.

أن الزحف الصحراوي وآلياته عصفت بالمدن القريبة من الصحراء بعد سنوات من الحد منها من خلال بناء الجدار الأخضر الذي شكل الحاجز بين الصحراء والمدينة وعمد على إنهاء آليات الزحف الصحراوي ولسنوات عديدة، وبعد انهيار الجدار الأخضر باتت تلك المدن بدون أسوار تجتاحها العواصف الصحراوية.

ونجد في المحاور أدناه عرضاً لكيفية  إعادة تأهيل الحزام الأخضر حول المدن في العراق:  

1-الحزام الأخضر والتخريب المتعمد:

باشرت الدول العربية في السبعينات من القرن المنصرم حملة للحد من ظاهرة التصحر  بدعم من منظمة الأغذية والزراعة ( FAO) وهدفت الحملة إحاطة المدن المحاذية للصحراء بحزام أخضر يعمل كمصد للرمال الصحراوية التي تجتاح المدن والأراضي الزراعية، وكذلك يعمل على الحد من الرياح الصحراوية اللاهبة نحو المدن.

والحزام الأخضر يتكون من عدة مصدات خضراء من أشجار الكالبتوس والصفصاف والأثل..وغيرها التي تتحمل الجفاف وملوحة الأرض، وتلك المصدات تزرع بشكل متخالف ومتداخل وعلى شكل صفوف في مناطق هبوب الرياح الصحراوية حول المدن للتخفيف من حدتها وتأثيراتها السلبية الضارة على البيئة والسكان.

وقد شارك العراق في تلك الحملة، وباشر بزراعة العديد من تلك المصدات بأشراف مراقبين حراجيين تم تأهيلهم في معهد الغابات العربي في اللاذقية والتابع للجامعة العربية. وتم تحديد ثلاثة مراحل لاستكمال مشروع الحزام الأخضر في العراق، وتم إنجاز المرحلة الأولى منه بنجاح، وبوشر في المرحلة الثانية في بداية الثمانينيات ومن ثم توقف المشروع بسبب سياسات النظام البائد اللامسؤولة وحروبه القذرة.

وطال الإهمال تلك المصدات الخضراء التي أنجزت في المرحلة الأولى مما أدى للتدهور معظمها بسبب:

 1-لم يتم العناية بها خاصة بما يتعلق بعملية التفريد المطلوبة في إحدى مراحل النمو للغابات مما أدى إلى إصابتها بالأمراض النباتية وبالتالي يباس العديد من أشجار الحزام.

2-عانت تلك المصدات الخضراء من عمليات التحطيب والرعي الجائر من قبل مربي قطعان الأغنام والماعز  بسبب عدم وجود الحماية اللازمة لها مما أدى إلى القضاء على قسم منها.

3-وعمدت (العقلية البدوية) لنظام الحكم البائد التي تكره المساحات الخضراء إلى تحويل بعض تلك المواقع إلى معسكرات للجيش مما أدى إلى تخريب معظمها بسبب الحرائق والتحطيب الجائر والقصف الذي طالها أثناء حروب النظام القذرة.

هذا التخريب البيئي المتعمد، ساهم في عودة الغزو الصحراوي للمدن والمساحات الخضراء وباتت معظم مدن العراق المحاذية للصحراء تعصف بها الرياح الصحراوية اللاهبة والمحملة بذرات الرمل فأساءت للبيئة والسكان.

وزاد من تأثير التخريب البيئي تلك العقلية البدوية الصحراوية المتخلفة التي أحكمت قبضتها على السلطة وعمدت على تدمير حضارة المدن وتقويض أركانها والعبث بالقيم الإنسانية. 

2-إعادة تأهيل الحزام الأخضر:

تعتبر إحدى أهم الأولويات لوزارتي الزراعة والبيئة إعادة تأهيل الحزام الأخضر، وهذا الأمر يتطلب الإصلاح الإداري وإعادة تأهيل قسم الحراج والغابات وإعادة تأهيل مراقبي الحراج. ونعتقد أن هذه المهمة يجب أن توكل لمنظمات المجتمع المدني (على الأقل في الوقت الحالي) وبإشراف وزارتي الزراعة والبيئة، وذلك لعدة أسباب أهمها:

1-تصل نسبة البطالة في العراق إلى نحو 60 في المائة وهناك العديد من المنظمات والنقابات المشكلة حديثاً من أجل الدفاع عن حقوق العاطلين ومنها اتحاد العاطلين عن العمل، إضافة إلى منظمات الشباب والطلبة (لتوفير فرص عمل للطلبة في العطلة الصيفية أسوة بالدول المتقدمة) حيث يتم طرح مناقصة لإعادة تحريج الحزام الأخضر (مثلاً) على منظمات المجتمع المدني، وعندما ترسي المناقصة على إحدى تلك المنظمات فأنها تتكفل بتوزيع الرواتب على أعضاءها العاملين في المشروع وفقاً للأنظمة تشرعها وزارة العمل.

وتتوالى وزارتي البيئة والزراعة بتأمين كافة مستلزمات العمل من أدوات زراعية وآليات وصهاريج ماء وغيرها لتلك المنظمة بغية المباشرة بالعمل وتحت إشرافها. ويمكن لتلك المنظمات أن تستقطع نسبة من الأرباح لتغطية نشاطاتها أو لشراء مقرات خاصة بها أو غيرها وبأشراف وزارة المالية منعاً للتلاعب والاختلاسات المالية.

3-توفير الاعتمادات المالية لإنجاز مشروع الحزام الأخضر:

من المعلوم أن الإيرادات المالية للحكومة العراقية على مدى السنوات القادمة لن تكون كبيرة وغير قادرة على تغطية المتطلبات الأساس لإعادة الأعمار، مما يتوجب البحث عن مصادر أخرى لتمويل المشاريع البيئية والمائية تحديداً. وتوجد فرص كبيرة لتأمين تلك الاعتمادات المالية من المنظمات الدولية خاصة منظمات الأمم المتحدة ومن الدول الصديقة على شكل منح أو قروض طويل الأجل وذات فائدة منخفضة، ونعتقد هناك مصدرين هاماً يمكن أن ينهل منهما مشروع الحزام الأخضر وهما:

1-منظمة الأغذية والزراعة (FAO):  يمكنها تقديم الاعتمادات المالية اللازمة من خلال موازنتها المرصودة لمكافحة ظاهرة التصحر في البلدان النامية، ومن خلال عملنا في منتصف الثمانينات من القرن المنصرم كمسؤول عن إدارة الإنتاج الحراجي (بقسميها التحريج الاصطناعي والمشاتل الحراجية) في اللاذقية.

أطلعنا على برامج منظمة الأغذية والزراعة التي تعاقدت مع سوريا على تقديم المساعدات المالية والغذائية (سكر؛ وشاي؛ وقهوة؛ ونسكافة؛ ومنتجات الألبان) دعماً للعاملين في مشروع إعادة التحريج الاصطناعي ويتم توزيع تلك المنتجات الغذائية على العاملين شهرياً. 

وحقق البرنامج نجاحاً كبيراً في إعادة تحريج الغابات الصنوبرية وغابات الشوح والأرز في سوريا، ومع نهاية العقد المبرم بين منظمة الأغذية والزراعة وسوريا لمشروع التحريج كنت أحد المرافقين لوفد المنظمة للاطلاع على نتائج المشروع الذي نال إعجاب الوفد الذي قرر تمديد العقد لخمسة سنوات أخرى وبمساعدات مالية وغذائية سخية.

لذا نطالب سلطة الحكم الانتقالي المباشر بإجراء اتصالاتها مع منظمة الفاو وبرنامجها لمكافحة التصحر من أجل إبرام عقود بهذا الشأن لحل مشكلتي إعادة التحريج للحزام الأخضر والغابات وحل مشكلة البطالة المتفاقمة.

2-ومن خلال عملي السابق في حراج سوريا، رافقت الوفد الياباني في مواقع الغابات الساحلية وإطلاعه على نتائج العمل الحراجي للسنوات السابقة. وكانت اليابان قد خصصت بين 10-12 مليار دولار على مدى عشر سنوات قابلة للزيادة لغرض صيانة البيئة وزيادة الرقعة الحراجية في المنطقة العربية، وقد وجهت دعوة بهذا الخصوص إلى 11 دولة عربية لاستثمار المبلغ المخصص لإعادة التحريج وصيانة البيئة. وقد ذكر رئيس الوفد الياباني في حينها أنه (للأسف) حصل على استجابة ثلاثة دول عربية فقط وهي سوريا ومصر وليبيا، ورفضت بقية الدول العرض الياباني ومنها العراق.

ومن خلال زياراتي الأخيرة إلى سوريا في أعوام 1999؛ 2001؛ 2002 اطلعت على حجم المساعدات التي قدمتها اليابان بهذا الخصوص لسوريا، واستثمرت الأخيرة المبادرة اليابانية لصيانة نهر بردى حيث تم تنظيف مجرى النهر من النفايات في مركز العاصمة دمشق وزراعة أطرافه بالأشجار. وتشرف اليابان بشكل مباشر على تلك الأعمال وخصص لها مركزاً في وزارة الزراعة السورية ومازال العمل مستمراً لغاية الآن.

وأكدت بعض المصادر السورية العاملة في المشروع الياباني هناك مخصصات بنحو مليار دولار كانت قد رصدت للعراق ولربما مازال الاعتماد موجوداً، وكنت قد أثرت هذا الموضوع في العام 1999 مع الإدارة الكردية في شمالي العراق لكني لم أجد أي استجابة ثم عرضت الموضوع على إحدى المنظمات الإنسانية العراقية العاملة في كردستان وأجرت تلك المنظمة اتصالاً مع السفارة اليابانية في دمشق لكنها لم تلقَ الاستجابة حيث اشترطت اليابان موافقة الحكومة العراقية أولاً. 

لذا أطالب سلطة الحكم الانتقالي أن تجري اتصالاتها مع السفارة اليابانية في بغداد بشكل عاجل والبحث بشأن  الاعتمادات اليابانية السابقة أو لربما تخصص اليابان اعتمادات جديدة لهذا الغرض.

وبهذا فأن الحكومة الجديدة لا تتحمل أي أعباء مالية للإصلاح البيئي والتحريج الاصطناعي في العراق، إضافة إلى ذلك فأنها تعد حلاً موقتاً لمشكلة البطالة وتوفير إعانات غذائية كبيرة للعاملين في مشروع التحريج الغاباتي.

ستوكهولم بتاريخ 3/9/2003.

 

الباحث والخبير

  بشؤون المياه في الشرق الأوسط

                                                                                 صاحب الربيعي