إعادة تأهيل الأهوار العراقية

 

أفادت وكالة (فرانس برس) بتاريخ 5/8/ 2003 عن مدير مشروع إزالة وباء النباتات الضارة في نهري دجلة والفرات الخبير الدكتور حسن الجنابي مايلي: عمدت الوزارة على فتح السدود منذ أشهر بغرض وصول المياه إلى أهوار (الحمار؛ والحويزة؛ وأبو الزرك). وتنظر الوزارة إلى إزالة المنشآت والأنهار التي ساهمت في تجفيف الأهوار مثل: العز؛ وأم المعارك؛ وتاج المعارك الذي يبلغ أطوالها عدة كيلومترات والتي حفرت في التسعينيات من القرن المنصرم أبان الحكم البائد. وترى الوزارة أيضاً أن من الصعوبة بمكان عودة الأهوار إلى سابق عهدها في الخمسينيات والستينيات بسبب قلة المياه وحجم الدمار البيئي الذي لحق بها نتيجة أعمال التجفيف. وهناك العديد من المنظمات الدولية تطرق أبواب الوزارة لغرض تقديم العون والمساعدة. وعودة مئات من المهجرين إلى منطقة الأهوار (انتهى خبر الوكالة).

سبق لنا أن حذرنا بعدة مقالات (وفي كتابنا أهوار الجنوب، الصادر عن دار الحصاد، دمشق كانون الثاني 2003) من اعتماد أساليب منفردة ودون دراسة جادة من أجل إعادة تأهيل الأهوار العراقية، وما نجده من تصريح الزميل الدكتور حسن الجنابي لوكالة (فرانس برس) يثير عندنا عدة تساؤلات علمية وبيئية حول جدية إعادة تأهيل الأهوار العراقية على أسس صحيحة وسليمة.

 فإطلاق المياه المتسرع من السدود نحو الأهوار نجده إجراءاً متعجلاً وغير مدروس خاصة أن الوزارة حديثة التكوين بكوادرها الجديدة وليس لها تصورات كافية عن تأثيرات مشروع التجفيف إيجاباً وسلباً (ومع تقديرنا لبعض خبرات كوادر الوزارة من المهنيين السابقين)!!.  

واعتقد كان من المفترض والمفيد أن تجري الوزارة المزيد من المشاورات مع المنظمات الدولية التي أبدت بوقت مبكر اهتماماً بشأن الأهوار العراقية منذ بداية التجفيف في التسعينيات من القرن المنصرم ولديها دراسات وتصورات عن حجم الأضرار واقتراحات علمية بغرض إعادة تأهيل الأهوار بشكل تدريجي ( وهذا ما تفتقد إليه كوادر الوزارة من المهنيين السابقين).

يضاف إلى ذلك أن إعادة تأهيل الأهوار العراقية يتطلب أموالاً كثيرة، ولا اعتقد أن الوضع المالي للوزارة (على الأقل في الوقت الحاضر) مؤهلاً لرصد المبالغ اللازمة لإعادة التأهيل.

لذا، نقترح إيلاء إعادة تأهيل الأهوار إلى منظمات دولية وعراقية سبق لها أن ساهمت في هذا المجال مع إشراف إداري وتنظيمي للوزارة على ذلك.

وإن ذلك سيؤدي إلى جلب المساعدات المالية من المنظمات الدولية المهتمة بشأن الأهوار العراقية وتخفيف الضغط والأعباء عن الوزارة التي لها مهام آنية أخرى.

إما بشأن تصورات وزارة الموارد المائية العراقية بإزالة المنشآت ومجاري أنهر: العز؛ وأم المعارك؛ وتاج المعارك التي تصل أطوالها نحو مئات الكيلومترات، فاعتقد أنها تصورات لا تنم عن خبرة بشؤون الري وبعيدة عن الأسس العلمية.

وتلك المنشآت والمجاري المائية كلفت العراق مئات الملايين من الدولارات، وإزالتها بهذه السهولة (كونها من الأعمال الارتجالية للنظام البائد) أمر غير أخلاقي ولا علمي!!.

إن الإجراءات الارتجالية التي لا تقوم على أسس علمية-زراعية ستضر بمستقبل العراق، ونحذر أصحاب هذه التوجهات وسلطة الحكم الانتقالي من الشروع بهذه الإجراءات غير السليمة.

واقترح تشكيل لجنة علمية من خبراء الري والزراعة والبيئة لغرض إعادة تقييم تلك المنشآت والمجاري المائية بغرض الاستفادة منها بشكل علمي في الري أو الملاحة أو مجاري للصرف الزراعي.

وعليه، نجد أن إجراءات الوزارة اتسمت بالتسرع واللاعلمية بشأن إعادة تأهيل الأهوار بسبب:

1-عدم وجود مياه كافية للمتطلبات الأساسية في العراق لإعادة تأهيل الأهوار بهذا الشكل المتسرع، وكان الأمر يتطلب إعداد خطة خمسية لإعادة ضخ المياه للأهوار بما لايؤثر على المتطلبات الأساسية.

2-العودة العشوائية لأبناء الأهوار سيؤدي إلى خلق حالة من الاختناقات والمشاكل الاجتماعية خاصة بما يتعلق الأمر بإعادة توزيع الأراضي والمواقع الجديدة في منطقة الأهوار.

3-عودة المهجرين من أبناء الأهوار من إيران، يتطلب الدعم والمساعدة المالية من قبل الحكومة لغرض إعادة تأهيلهم قبل تأهيل منطقة سكناهم.

4-انتشار وباء (الشمبلان ووردة النيل) سيؤدي إلى انتشارها في منطقة الأهوار، وهي البيئة الملائمة لهذا الوباء حيث المياه بطيئة الجريان، مما يؤدي إلى تفشي أمراض الكوليرا والبلهارسيا من جديد في منطقة الأهوار.

5-انتشار وباء (الشمبلان ووردة النيل) سيؤدي إلى مزيد من التبخر لمياه منطقة الأهوار، مما يؤدي إلى ضياع كميات كبيرة من المياه خاصة أن العراق يعاني من شح المياه.

6-تخلل تربة منطقة الأهوار نتيجة عمليات التجفيف السابقة وأعمال الحفر للمجاري المائية المستحدثة سيؤدي إلى ضياع كميات كبيرة من المياه بالتسرب الأراضي.

وأخيراً، أتمنى على وزارة الموارد المائية العراقية أن تعيد النظر بتوجهاتها بشأن إعادة تاهيل الأهوار والتنسيق بشكل أكبر مع المنظمات الدولية. واحمل سلطة الحكم الانتقالي في العراق المسؤولية عن الأضرار  التي قد تتسبب بها التصورات الجديدة لوزارة الموارد المائية!!.

ستوكهولم تاريخ 6/8/ 2003.

      الباحث والخبير

 بشؤون المياه في الشرق الأوسط

      صاحب الربيعي