المتطلبات الآنية للنهوض بالقطاع الزراعي في العراق

 

تبلغ مساحة الأراضي القابلة للزراعة في العراق نحو 123 مليون دونم، وما يستغل منها نحو 52 مليون دونم منها نحو 14 مليون دونم أراضي مروية ونحو 38 مليون دونم أراضي ديمية. علماً بأن المياه المتاحة تكفي لري نحو 17 مليون دونم عند استخدام طرق الري الحديثة (الرش والتنقيط)، وتقدر مساحة سهول حوضي دجلة والفرات نحو خُمس مساحة العراق أي ما يصل إلى نحو 93 ألف كم2. وهذه المساحة تعادل ثلاثة أمثال مساحة وادي النيل، ورغم ذلك فإن الإنتاج الزراعي في وادي النيل يعادل ثلاثة أضعاف الإنتاج الزراعي العراقي.

مع العلم أن الموارد الاقتصادية العراقية تفوق بعدة أضعاف الإمكانات الاقتصادية المصرية، وهذا يؤشر  حالة الضعف الذي يعانيه منه القطاع الزراعي في العراق بسبب سوء الإدارة وضعف الكادر العلمي ويدلل على حجم الخراب الذي أحدثه النظام البائد في المرافق الاقتصادية الأساسية.

كما يدلل هذا الأمر على حجم العمل المطلوب لإعادة تأهيل القطاع الزراعي على أسس علمية صحيحة، وتهيئة الكادر اللازم لإدارة مرافقه الأساس.

فدولة حكم البعث، كما عبر عنها أحد الساسة الأمريكان عبارة عن جبنة هولندية حينما تنظر إليها من الجوانب تجدها متراصة ومنضبطة ولكن حينما تنظر إليها من الأعلى تجدها مليئة بالثقوب.

 لذا فأن العمل على إعادة بناء هذا الدولة يتطلب جهوداً جبارة، وأما الكادر فاعتقد أن رحم العراق ينجب ما يزيد على حاجته من العلماء دائماً وأن الكوادر الموجودة في المنفى رافد مهم للمساهمة في إعادة البناء.

وعليه، نعتقد هناك عدداً من المهام الآنية الذي يتوجب على وزارة الزراعة إيلاءها الاهتمام، ويمكن إيجازها بالنقاط التالية:

1-إعادة توزيع الأراضي الزراعية:

لقد أعاد النظام البائد نظام الإقطاع في عدد غير قليل من مدن العراق من خلال إعادة الاعتبار للنظام العشائري وكسب الولاء لنظام حكمه البائد، وزاد من عطاياه لشيوخ العشائر من المال والسلاح والأراضي الزراعية التي تم سلبها من الفلاحين أو المعارضين للنظام. وباتت أخصب الأراضي الزراعية في أيدي أعوان النظام، واصبح الفلاح أجير يعمل في أراضي أصحاب الجزمات العسكرية وحثالة المجتمع.

لذا فالأمر يتطلب إعادة توزيع تلك الأراضي على المزارعين وانتزاع ملكيتها من أعوان النظام، بمعنى آخر بحاجة إلى قانون جديد للإصلاح الزراعي ينظم علاقات الملكية الزراعية لتصحيح الخلل في نظام الملكية في الريف مما يشجع على الهجرة المعاكسة نحو الريف.

ويجب أن لايقتصر الأمر على ذلك فقط، بل يجب العمل على تعويض تلك الأسر التي تم أُنتزعت ملكية أراضيها الزراعية أو تهجيرها إلى مناطق أخرى كما هو الحال في ترحيل أبناء الأهوار من مناطقهم نحو الشمال وإسكانهم في مناطق زراعية عائدة لمزارعين أكراد تم تهجيرهم.

2-الحد من التوسع بالأراضي الزراعية:

لقد تم تحديد حصة العراق المائية في حوضي دجلة والفرات، لذا فأن المياه المتاحة لم تعد كافية للتوسع بالأراضي الزراعية الجديدة. بل أن الأراضي الزراعية الديمية تعرضت للتراجع بسبب موجات الجفاف المتلاحقة التي طالت المنطقة وبالتالي انخفاض معدلات الهطول المطري في أغلب المناطق الديمية، أدى إلى انخفاض حجم الإنتاج الزراعي.

إذاً، الواقع المائي في العراق هو الذي يحدد مساحة الأراضي الزراعية خاصة المروية منها. وبغية النهوض بالقطاع الزراعي وتأمين متطلبات الأمن الغذائي للمواطن يتطلب الأمر  تقليص المساحات الزراعية بنسبة 10 في المائة وعلى مدى العقد القادم من أجل توفير المياه، وبنفس الوقت التوسع بالنظام العمودي للقطاع الزراعي. أي العمل على مضاعفة إنتاجية وحدة المساحة باستخدام الطرق الحديثة وأتمتة العمل الزراعي، ويمكن استخدام نظام الزراعات المغطاة (البيوت الزجاجية والبلاستيكية) لمضاعفة الإنتاج والتحكم في الظروف الزراعية.

3-استبدال الأصناف الزراعية منخفضة الإنتاج:

تعتبر معظم الأصناف الزراعية المعتمدة في العراق ذات إنتاجية منخفضة ونوعية رديئة، لذا عمدت العديد من مراكز البحوث الزراعية ومنها مراكز البحوث التي تشرف عليها منظمة الأغذية والزراعة ( الفاو) في عدد من البلدان النامية على استنباط أصناف زراعية عالية الإنتاج وغير شرهة للمياه وغير حساسة للملوحة ولها القدرة على مقاومة الأمراض.

لذا، يتطلب الأمر إدخال الأصناف الجديدة للقطر والعمل على استبدالها بالأصناف المعتمدة. وهناك برامج عديدة نظمتها الوكالات الدولية لغرض مساعدة البلدان النامية على اعتماد الأصناف الجديدة، وتأهيل الكادر للعمل الزراعي من خلال تنظيم عدداً من الدورات المهنية للزراعيين من اجل رفع كفاءتهم.

لذا، يتطلب الأمر من وزارة الزراعة إجراء اتصالات سريعة مع الوكالات الدولية المعنية بالجانب الزراعي من أجل إبرام عقوداً معها للنهوض بالقطاع الزراعي.

4-استبدال طرق الري التقليدي بطرق الري الحديثة:

إن القسم الأعظم من الأراضي المروية يعتمد نظام الري التقليدي (بالغمر أو السيح) وهذا النظام يستهلك كميات مضاعفة من المياه تفوق حاجة النبات، مما يسبب هدراً بالمياه. لذا يتوجب اعتماد أنظمة الري الحديثة (الرش والتنقيط) التي توفر المياه وتؤمن الحاجات المائية الضرورية للنبات، وبالرغم من أن أنظمة الري الحديثة مكلفة قياساً بنظام الري التقليدي لكنها ذات كفاءة عالية تصل إلى نحو 90 في المائة.

5-إعادة تأهيل المصرف الزراعي:

أن اعتماد أتمتة العمل الزراعي يتطلب أموالاً كبيرة، لذا يتوجب على البنوك الحكومية الزراعية تأمين القروض اللازمة للمزارعين. ويجب إعادة النظر بأنظمة منح القروض التي شرعها النظام البائد، والتي كانت تشترط لمنح القروض للمزارع أن يكون عضواً في الجمعية الفلاحية وبالتالي عضواً في حزب البعث المقبور لكي يتم منحه القرض اللازم للشأن الزراعي. ويجب على المصرف الزراعي الجديد اعتماد تدابير خاصة تتحقق من استخدام القروض في المجال الزراعي، وأخذ الضمانات اللازمة للاسترداد تلك القروض وبفوائد منخفضة.

واقترح أن يتم خصخصة المصارف الزراعية من أجل رفع الكفاءة وإعفاء الفلاح من الإجراءات البيروقراطية التي يعاني منها القطاع الحكومي، وهذا يخفف من كاهل وزارة الزراعة في متابعة تسديد القروض وتشكيل لجان الإشراف على منح القروض.. وغيرها.

6-استحداث مؤسسات جديدة:

نقترح إحداث (أو إعادة تأهيل إن وجدت) مؤسستين: الأول تعنى بشؤون غابات النخيل في الجنوب، حيث انخفض عدد أشجار النخيل من 48 مليون نخلة في السبعينات إلى 8 ملايين نخلة في أواخر التسعينيات بسبب السياسات الهوجاء للنظام البائد وحروبه القذرة التي طالت حتى أعناق النخيل.

لذا نجد أن استحداث هكذا مؤسسة ورصد الاعتماد اللازم لها من أجل إعادة غابات النخيل في الجنوب إلى ما كان عليه، من خلال اعتماد خطة عُشرية لزراعة النخيل. والعمل على مكافحة الآفات الزراعية التي أصابت النخيل ولم يكترث النظام البائد لذلك.

 وتعتمد المؤسسة المفترض مركزاً لبحوث أشجار النخيل من أجل تطوير واستنباط أصناف جديدة، علماً بأن أصناف التمور العراقية زاد على 700 نوع ومن أشهر عالمياً نحو 400 نوعاً.

إما المؤسسة الثانية فهي مؤسسة الغابات والحراج: وتعنى بشؤون الغابات في الشمال (ويمكن أن تخصص وزارة خاصة تعنى بشؤون الغابات الحراجية وغابات النخيل).

لقد عانت الغابات الحراجية في المنطقة الشمالية من القطع الجائر والحرائق بفعل الحروب التي كان يشنها النظام على الأكراد، ولم يجدِ نفعاً التحريج الاصطناعي الذي عمد إليه النظام البائد في أواخر السبعينات ومنتصف الثمانينيات. وجاءت حرب الخليج الثانية لتعصف بالباقي من الغابات، ولم تولِ الإدارة الكردية العناية اللازمة للغابات مما أدى إلى تدهور القسم الأعظم منها خاصة بفعل القطع الجائر دون أي رادع من جانب الإدارة المحلية.

لذا، يتطلب الأمر إجراء الاتصالات مع المنظمات الدولية بغرض الحصول على المساعدات المالية اللازمة لإعادة تأهيل الغابات والحد من انجراف التربة التي طالت معظم المناطق وأدت إلى تصحرها بفعل تدهور الغطاء الحراجي.

7-اعتماد مبدأ السعر الحدودي لكلفة المنتجات الزراعية المحلية:

في العديد من بلدان العالم النامي نجد أن المنتجات الزراعية المنتجة محلياً تعادل كلفتها أضعاف سعر نفس المنتج في السوق العالمي، فمثلاً نجد أن السعودية التي تعتبر من البلدان المصدرة للقمع تصل كلفة طن القمح فيها إلى 300 دولار في حين أن سعر الطن في السوق العالمية نحو 80 دولاراً.

وهكذا تشتري السعودية من مزارعيها القمح بسعر عالي لتبيعه في السوق العالمي بسعر منخفض. وتبرر السعودية ذلك، بأنها تعمل على تشجيع البدو على الاستقرار والمفارقة أنها تعاني من شح بمواردها المائية.

   وعليه، نجد أنه في حال كون كلفة إحدى المنتجات الزراعية المحلية أعلى من كلفة استيرادها من الخارج، فيجب العمل على إلغاء زراعة ذاك المنتج الزراعي محلياً. علماً بأن العراق ومنذ منتصف الثمانينيات يستورد نحو 60 في المائة من متطلباته الغذائية من الخارج (بفضل العبقرية الاقتصادية للنظام وحزبه البائد) وهذا الإجراء سيوفر المياه والعمل الزراعي، ويمكن استبدال ذاك المنتج الزراعي بأخر أقل كلفة حيث يمكنه أن يخوض تنافساً مع نفس المنتج عند السعر الحدودي.

8-التنسيق مع المعاهد الزراعية المهنية وكليات الزراعة:

أن اعتماد مبدأ التنسيق مع الجامعات العراقية لتحديد نوع الاختصاصات المطلوبة لدى الوزارة، سيحقق للوزارة ينبوعاً متدفقاً من الكادر العلمي الزراعي. ولتحقيق الخبرة العملي للطالب في كليات الزراعة يتوجب على الوزارة تأمين فرص التحاق الطلبة بمؤسسات الوزارة في العطلة السنوية لاكتساب الخبرة العملية في المجال الزراعي وكل حسب اختصاصه، بالإضافة إلى التنسيق مع الوكالات الدولية بغرض إيفاد الكوادر الزراعية لرفع كفاءتهم العلمية والعملية والإطلاع على الجوانب التقنية والعلمية الحديثة في المجال الزراعي في العالم.

ونعتقد أن هذه المحاور الموجزة، تصلح اعتمادها كخطة عمل لإعادة تأهيل الوزارة على أسس علمية صحيحة. وبالتأكيد هناك العديد من المشاكل الإدارية والفنية المشخصة من قبل الكادر الفني في الوزارة وتحتاج إلى إصلاح عاجل، فالنظام البائد لم يترك مكاناً في العراق إلا وتسبب في تخريبه والإساءة إليه. فما هو الرجاء المنتظر من ( الرعاة البدو) اللذين زحفوا بجلافتهم على المدن والحضارة، سوى التخريب ومبدئهم القائل (إذا لم تنفع فضرًّ).

ستوكهولم بتاريخ 16/ 8/ 2003.

الباحث والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي