استعادة حقوق العراق المائية من دول الجوار

 

يمكن أن يتم تسوية كل الخلافات بين دول الجوار  خاصة الحدودية منها على أساس المساومة ووفقاً لمبدأ الربح والخسارة الذي يمكن أن يتعرض له طرف من أطراف النزاع، والربح دائماً يكون من نصيب الدولة القوية عسكريا واقتصادياً. والنظام البائد تنازل عن جزء من حدود وسيادة العراق من أجل بقاءه في السلطة كما حدث مع إيران والسعودية والأردن، ولكن تلك التنازلات قد لا تكون ملزمة للحكومة الشرعية وفقاً (لنظريتي الإكراه وتغير الظروف) التي اعتمدتها الدول الأفريقية بالرغم من أنها لم تحظَ بسند قانوني دولي لكنها تحظى  بدعم عرفي-أخلاقي.

وعلى العموم فأن التسوية الحدودية أي كان شكلها لاتهم المواطن العادي، ولكن التسوية المائية التي تعمل على نقصان حصة المواطن تؤثر على الحصص المائية لأجيال القادمة في حال كونها تسوية غير ومنصفة وعادلة. وتاريخياً فأن الموقع المسمى بلاد ما بين النهرين الذي يشغلها العراق الحالي اعتمد في صنع حضاراته على مياه الرافدين، وهذا الحق التاريخي يضمنه القانون الدولي خاصة في مبادئ هلسنكي للعام 1966.

وعليه، نجد أن الاتفاقيات التي أبرمها النظام البائد بشأن المياه مع كل من تركيا وسوريا لاتستجيب لحقوق العراق التاريخية ولا تضمن حقوقه المستقبلية بالرغم من أن ثمن تلك الاتفاقيات المائية (الجائرة) كان عقوداً اقتصادية ومنح نفطية غير مبررة.

ونعتقد أن العراق مُقدماً على نهضة اقتصادية كبيرة نتيجة مشاريع إعادة الأعمار وعلى دول الجوار التي يسيل لعابها لصفقات اقتصادية ونفطية مع العراق الجديد أن توافق على إبرام جيل جديد من الاتفاقيات المائية التي تضمن حصص عادلة ومنصفة من المياه للعراقيين. ولتسليط الضوء على أوجه الخلاف والاتفاق حول مياه حوضي دجلة والفرات بين العراق ودول الحوض الأخرى، نورد أدناه عدداً من المحاور التي تناقش تلك الأوجه:        

1- الخلاف المائي  العراقي- التركي

  رغم العلاقات التجارية والأمنية المتميزة، التي شهدتها فترة الثمانينات من القرن المنصرم بين البلدين، فلا تزال الخلافات المائية مثارا للجدل ولم يتوصل العراق إلى تسوية مرضية تضمن له حقوقه المكتسبة من المياه مع تركيا. فلقد انخفض تدفق مياه نهر الفرات بعد إنجاز القسم الأكبر من منشآت ألGAP من 18مليار م3 سنويا إلى 9 مليارات م3 سنويا ( بعد اتفاقية عام 1987 التي سميت بقاعة أل 500 م3/ ثا بين تركيا وسوريا) وحاجة العراق الفعلية 11مليار م3 سنويا والمستقبلية تقدر بنحو 14 مليار م3 سنويا مما أدى إلى الإضرار بخطط التنمية الزراعية. خاصة بعد تعرض المنطقة لفترات من الجفاف في السنوات الأخيرة.

 ويمكن إجمال الخلافات بين البلدين بما يلي:

1- عدم استجابة تركيا لنداءات العراق المتكررة، بشأن زيادة حصته من مياه الفرات والتي لا تتناسب وحجم التطورين التنموي والديمغرافي. وقد أخفقت جميع المحاولات، التي قام بها  العراق لعقد اتفاقات منفردة مع تركيا حيثُ تحاشت الأخيرة عقد مثل هذه الاتفاقيات. من أجل أن لا تضطر إلى مثيلتها مع الجانب السوري، أو لوجوب مرورها عبر البوابة السورية لتأخذ طريقها إلى التنفيذ. وحينها لابد من دفع ضريبة المرور ( ستطالب سوريا بزيادة حصتها أو تقاسم حصة العراق).

 وعوضاً عن ذلك طالبت تركيا العراق بجدولة مياه نهري دجلة والفرات في حساب الحصص وهي الطريقة ذاتها التي اعتمدتها مع سوريا. خاصةً أن العراق يمتلك قناة عبر الثرثار قادرة على تعويض النقص بمياه الفرات عبر مياه دجلة ( بعض خبراء المياه، يعتقدون أن قيام العراق بحفر قناة بين نهري دجلة والفرات قد مهد الطريق للمطالبة التركية بجدولة مياه النهرين واعتبارهما حوضا واحداً) ولا أتفق مع هذا الرأي لأن العراق كان ولا يزال بحاجة ماسة لتلك القناة. ويمكن دحض الحجَّة التركية (بشأن اعتبار نهري دجلة والفرات حوض واحد، نتيجة وجود قناة فيما بينهما) من خلال النقاط أدناه:

q    إن هذه القناة تقوم فقط بخدمة الجزء الثاني من حوض الفرات في العراق، أما المسافة الممتدة ( الجزء الأول) بين الحدود السورية وسد القادسية الذي يقع على نهر الفرات والبالغة 120 كم فإنها لن تستفيد من عملية التحويل.

q    إن مياه بحيرة الثرثار الواقعة على نهر دجلة ذات ملوحة عالية وقد تسبب الإساءة لنوعية المياه في نهر الفرات. خاصةً أن الترب الزراعية العراقية ترب طينية كتيمة، مما يؤدي إلى تملح الأراضي الزراعية وخروجها من حيز الإنتاج.

q     تجاهل تركيا أن دول حوض مجرى الفرات (تركيا؛ وسوريا؛ والعراق؛ والسعودية[1]) ودول حوض دجلة (تركيا؛ وإيران؛ وسوريا؛ والعراق) لذا فليس لإيران علاقة بحوض الفرات وعليه لايمكن مشاركتها في التسوية المائية بشأن حوض الفرات.

q    استغل سكان وادي الرافدين الخاصية الطبيعة الجغرافية لنهري دجلة والفرات وهي ارتفاع وادي الفرات عن وادي دجلة تارة وبالعكس تارة أخرى. [ أن نهر دجلة بعدما يكون في قسمه العلوي، يجري بمناسيب تعلو عن مجرى نهر الفرات، وإذا به يصبح حين يصل إلى بغداد أوطأ من نهر الفرات بسبعة أمتار تقريباً. ثم إذا سرنا جنوباً يعود فيصبح بالقرب من الكوت أعلى من نهر الفرات من جديد. وهنا ينحدر شط الغراف الذي يأخذ من الضفة اليمنى لنهر دجلة وينتهي إلى نهر الفرات عند الناصرية. وهذه الخصائص تساعد على تأمين الري من النهر الواحد والصرف إلى النهر الأخر بالتناوب بحيث يمكن شق جداول عديدة بين النهرين تمتد بصورة موازية لجريانها بالنسبة للنهرين وهذا يتوقف على المنطقة التي تقع فيها هذه الجداول ][S1] .

وحفر سكان وادي الرافدين أنهاراً عظمى من نهر الفرات إلى نهر دجلة ( وبالعكس) كانت تروي أراضي واسعة. وقد استفاد العباسيون من بعضها بعد تطيرها، على سبيل المثال النهر القديم الذي سموه بنهر عيسى. وكان اسمه في زمن البابليين (( قنال انليل) أو ( باني انليل) ولا تزال آثاره ماثلة قرب خرائب (( عقرقوف)).

 يرفض العراق المطالبة التركية ويعتبرها تدخلاً فضاً في سيادته الإقليمية، وإن مشاريع الري داخل العراق هو شأن داخلي وغير قابل للمساومة، وهذا ينسجم مع ما  أقرته لجنة القانون الدولي في 17 / 6 / 1994 في مادتها الخامسة التي تنص: على حق دول المجرى المائي بأن تنتفع كل في إقليمها بالمجرى المائي الدولي بطريقة منصفة ومعقولة ويتوجب عليها التعاون في حمايته وتنميته. وبما أن العراق يقع في أسفل المجرى المائي فإن أجراءه لا يؤثر على دول المجرى ويتفق ومضمون تلك المادة.

بالإضافة إلى ذلك، فأن العراق (عملياً) لم يغير من مجرى النهرين وأنما عمل على إعادة مجاري القنوات القديمة ( الحضارات القديمة) بين النهرين. وبالتالي فأن الحجّة التركية ليس لها ما يبررها أو يسندها على المستوى القانوني.

2- باشرت تركيا بإقامة منشآتها المائية على نهر دجلة ( يقدر عددها ب  8 منشآت) وهذه السدود ستعمل على تخفيض كمية المياه المتدفقة تجاه العراق إلى حدود 50 %. كما تنوي إيران إقامة سدود مماثلة على روافد دجلة التي تجري من أراضيها مما سيقلل ما بنسبة 15-20% من إجمالي إيراد النهر أي بنحو 60-70% من المياه الواردة من الأراضي الإيرانية تجاه الأراضي العراقية.

في حين، أن ما تبقى من إيرادات النهر ترفد عبر الأراضي العراقية. وسيلحق هذا الوضع الخطير الضرر بمستقبل الزراعة والسكان في العراق، فبالرغم من، أن العراق يمتلك عدداً لأبأس من الخزانات المائية والسدود على نهر دجلة فأنها غير قادرة على تعويض النقص على المدى البعيد.

مما سيؤدي إلى، الإخلال بالموازنة المائية التي اتبعها العراق بشأن تعويض نقص المياه في نهر الفرات. خاصةً، أنه لم يستكمل مشاريعه المائية الاستراتيجية على نهر دجلة. وبشكل خاص مشروعي  سدي (( بخمة ودوباش))  الذي انتهت المرحلة الأولى منهما في أوائل 1990 ، ولكن العمل بالمشروعين توقف بعد الحرب الخليجية الثانية. وكان من المفروض، أن يزيد من الطاقة التخزينية المائية للعراق في حال استكماله.

3- تلوث مياه الفرات: فمنذ أن باشرت تركيا بمشروعها المتضمن إقامة 21 سدا و 19 محطة كهرومائية على نهر الفرات ( سينتهي العمل منها عام 2005) لاستصلاح 1.7 مليون هكتار قد تدخل حيز الإنتاج في العقد الحالي. وتسببت هذه المنشآت بالإضرار بنوعية المياه الجارية إلى كل من سوريا والعراق، ولكن المتضرر الأكبر من ذلك هو العراق باعتباره دولة المصب.

ويرى العراق، أن المنشآت التركية ستؤثر في النهاية على 1.3 مليون هكتار من الأراضي القابلة للزراعة ( أي 40% من أراضي العراق الصالحة للزراعة) وسيرغم العراق على إغلاق 4 مجمعات لتوليد الطاقة الكهرومائية تنتج 40% من طاقة البلد الكهربائية.

4- الاتفاقية العسكرية ( التركية- الإسرائيلية) والمناورات المشتركة على مقربة من المثلث العراقي السوري التركي وقد اعتبرها العراق مناورات معادية وتلحق الضرر بالعلاقات بين البلدين.

شكل الأزمة والخلاف:

 تكمن الأزمة والخلاف حول نوعية المياه المتدفقة، إضافة إلى نظام الحصص حيثُ تصر كلاً من سوريا والعراق على زيادة حصتيهما المائية من 500 م3 / ثا إلى 700 م3 / ثا. فالخلاف يدور حول 200 م3 / ثا أي ما يعادل 6.3 مليار م3 سنويا ، وترجع هذه المطالبة إلى ازدياد عدد السكان في كل من سوريا والعراق والزيادة تكفي لاحتياجات 5.5 مليون نسمة يعملون في الحقل الزراعي.

في حين أن تركيا تصر على التمسك باتفاقيتها مع سوريا ( 500 م/ ثا ) لعام 1987 ( 15768 مليون م3 سنوياً) والذي لم يكن العراق طرفاً فيها. ويؤكد الجانب السوري، بأن اتفاقية عام 1987 كانت مرحلية لحين الانتهاء من ملء خزان أتاتورك ومن ثم العودة إلى معدل التدفق السابق والبالغ 700 م3 / ثا أو الشروع بمفاوضات تضمن حصص عادلة لدول الحوض.

2- الخلاف المائي العراقي- الإيراني

عمدت الحكومة الإيرانية على إثارة جملة من الخلافات الحدودية منذ انبثاق الدولة العراقية. خاصةً بما يتعلق بشأن بخط الحدود في مياه شط العرب[2]، وبقية مشكلة تثبيت الحدود البرية معَّلقة بين البلدين بسبب المطالبة الإيرانية بأولوية الدخول بمفاوضات حول فض النزاع في شط العرب بين البلدين. توصل البلدان في العام 1975 إلى صيغة اتفاق لرسم الحدود بين البلدين في مياه شط العرب وفقاً لمجرى الملاحة Thalweg ( خط العمق)[3]، ولكن سرعان ما تملص النظام البائد من الاتفاق عام 1979 عشية قيام الثورة الإيرانية.

وخاض البلدان حرب ضروس استمرت 8 سنوات[4] من ( 1980-1988) ثم عادا إلى اتفاق الجزائر لعام 1975. ويمكننا إجمال الخلاف بين البلدين حول المياه الدولية منذ مطلع الخمسينيات ولحد الآن بتحويل إيران روافد نهر دجلة نهر نحو أراضيها  ومن أهم تلك الروافد: كنجان جم؛  ووادي كنكير؛ وقره تو؛ ودويريج؛ وكرخة؛ وكارون؛ وهركينه؛ وزرين جوي الكبير؛ والوند؛ الطيب.

من العرض السابق للإجراءات الإيرانية، يتبين نيَّة إيران المبيتة ضد العراق بشأن المياه منذ الخمسينيات من القرن الماضي. ولم تنقطع الإجراءات الإيرانية المنفردة بشأن قطع الروافد المائية الدولية التي تغذي نهر دجلة في الأراضي العراقية، مما أدى إلى انخفاض المياه الواردة من الأراضي الإيرانية إلى الأراضي العراقية بنسبة 60-70% خاصة في العقد الماضي.

وتشهد مناطق كردستان العراق الحدودية مع إيران جفاف لا سابق له، نتيجة الإجراءات ( الحرب المائية الإيرانية غير المعَّلنة) غير القانونية والتي تعتبر انتهاكاً للقانون الدولي الخاص بالأنهار المشتركة.

الخلاف القانوني بين دول الحوضين

إن أزمة المياه بين تركيا من جهة وكل من سوريا والعراق من جهة أخرى رافقتها توترات سياسية. أسهم الأعلام والتصريحات غير المسؤولة لعدد من المسؤولين في دول الحوض إلى تصعيد حدة التوتر والاتهامات المتبادلة حول خرق القانون الدولي بشأن الأنهار الدولية، حيثُ تبادل الجانبان العربي والتركي المذكرات عبر الطرق الدبلوماسية أبان فترات التسعينيات من القرن المنصرم. ويمكن وصف المذكرات العربية (باتجاهها العام) بأنها ذات منحاً قانوني تستند في بنودها إلى القانون الدولي. مذكرةً تركيا بالتزاماتها الدولية.

وعلى العكس من ذلك، فإن المذكرات التركية الجوابية كانت ذات طبيعية  فقهية وتشريعية تستند إلى فكرة تفسير المفاهيم الفقهية وفق مصالحها الذاتية.

إضافة إلى إسقاط تعابير قانونية لا تتفق والطبيعة الجغرافية لنهر الفرات، ولا المعايير الدولية كمفهوم (( الأنهار العابرة للحدود)) بدلاً من (( الأنهار الدولية )) و (( الاستخدام الأمثل)) و ((التوزيع المنصف والمعقول)) بدلاً من (( توزيع الحصص)) و هذا التلاعب بالمفاهيم القانونية لا يشكل حجَّة قانونية مقنعة في الأوساط الدولية، وقد فندَّت لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة في تقريرها لعام 1993 التفسيرات القانونية التركية.

  تعتبر كلاً من سوريا والعراق [بأن نهري دجلة والفرات نهران دوليان. وتبعاً لذلك، تطالبان بحصة من مياههما. ومن الناحية الأخرى، فتركيا لا تقَّر بالطبيعة الدولية لهذين النهرين وتتحدث فقط عن انتفاع عقلاني وأمثل للحوض النهري العبر حدودي الوحيد والفريد، أو عن المياه عبر حدودية أو المياه العابرة للحدود. زد على ذلك، أن تركيا ترى أن الاستخدام اللا محدود لهذه المياه طبقاً لا حتياجاتها هو حقها الطبيعي الأكبر][S2] .

ولتسليط الضوء على المذكرات التي تبادلها دول حوضي دجلة والفرات في التسعينيات، نورد موجزها:

أولاً:  المذكرة العراقية إلى تركيا

أرسل العراق مذكرته القانونية - الفنية إلى تركيا بتاريخ 4/1 / 1996، مطالباً إياها المثول إلى القانون الدولي المتعلق بالأنهار الدولية، وتضمنت هذه المذكرة:

¨    المطالبة بإجراء مشاورات بين دول الحوض لتدراس المنشآت التركية الجديدة والاتفاق على ما يضمن عدم إلحاق الأضرار بكل من سوريا والعراق جراء تلك المشاريع.

¨         لقد رفض الجانب التركي مجمل الاقتراحات المقدمة من قبل دول الحوض لتخفيف الأضرار التي يمكن أن تتعرض لها دول أسفل النهر.

¨    تعترض الحكومة العراقية على تنفيذ مشروع الفرات الحدودي خاصةً سدي ((بيروجيك)) و ((قرقميش)) من منشآت مشروع ألGAP لما لهم من تأثيرات خطيرة على حقوق العراق المائية.

¨    ووفقاً لقاعدة أل 500 م3 / ثا، فأن الإيرادات المائية السنوية لنهر الفرات عند الحدود التركية- السورية بلغت 15.7 مليار م3 سنوياً. وعليه، فإن قاعدة أل 500 م3 / ثا لا تؤمن الاحتياجات المائية اللازمة لكل من سوريا والعراق وتلحق أفدح الخسائر بمشاريعهما المائية[5].

¨    إن نقص كمية المياه صاحبه إساءة بنوعية المياه وارتفاع نسبة الملوحة وكذلك نسب التراكيب الكيميائية بسبب الاستخدامات المخصبات الكيماوية في الأراضي الزراعية التركية.

¨    يشغل حوض الفرات في العراق 7 ملايين نسمة. وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية فيه 1.9 مليون هكتار والإجراءات التركية الأخيرة أدت إلى أضرار بالغة.

¨         منذ إجراء أول مفاوضات بين دول الحوض عام 1962 لتقاسم المياه، رفض الجانب التركي ولا يزال اعتبار نهري دجلة والفرات نهرين دوليين.

¨    إن اللجنة الفنية المشتركة والمشكلة عام 1980 لتدارس تحديد الكميات المناسبة والمعقولة من المياه التي يحتاجها كل بلد من بلدان الحوض لم تنجز مهمتها بسبب موقف الجانب التركي الذي يحاول حَّرف اللجنة عن مهمتها على أساس أن هدفها هو وضع أسس ما أسماه الاستخدام الأمثل للمياه، وهذا يستوجب الدخول في صميم السياسة الاقتصادية والزراعية لبلدان الحوض.

حول دولية نهري دجلة والفرات لابد من التذكير بالاتفاقيات التي وقعتها أو صادقت عليها تركيا:

1-المادة 109 من اتفاقية لوزان المعقودة بين تركيا ودول الحلفاء بتاريخ 24 / 7 / 1923.

2-البروتوكول رقم (1) الخاص بتنظيم مياه دجلة والفرات الملحق بمعاهدة الصداقة وحُسن الجوار الموقعة بين العراق وتركيا في 29 /3/ 1946 .

3-بروتوكول التعاون الاقتصادي والفني بين العراق وتركيا بتاريخ 17 /1/ 1971 .

4-محضر اجتماع اللجنة العراقية- التركية المشتركة للتعاون الاقتصادي والفني تاريخ 25 /12/ 1980.

ثانياً: الرد التركي على المذكرة العراقية

ورد الجانب التركي في 25 /1 / 1996 بدوره على المذكرة العراقية، مستخدماً ذات المفاهيم الفقهية التي استخدمها مع سوريا ،بغية عدم مناقشة المذكرة جدياً. بغرض المماطلة وكسب الوقت لحين استكمال مشاريعه المائية على نهر الفرات، أما مضمون المذكرة فيمكن تلخيصه كالآتي:

¨    إن تطور قانون استخدام المياه العابرة للحدود للأغراض غير الملاحية يجري باتجاه صياغة اتفاقية إطارية[6]، ولكن القانون لم يكتمل بعد. كما لا يوجد عرف دولي موحد بسبب التنوع واختلاف خصائص المجاري المائية العابرة للحدود والحاجات الإنسانية التي تلبيها.

¨    إن مصطلحي ( (الحصص والتوزيع)) غير مقبولين. وإن المفهوم المركزي هو (( الاستغلال والاستخدام )) وأن تخصيص المياه لا يعني توزيع المياه وإنما تخصيص استخدامات المياه على أسس منصفة ومعقولة.

¨         إن السدود التركية توفر للعراق منافع من خلال تنظيمها للمجرى المائي وحمايتها من الفيضانات والجفاف.

¨         كل البيانات المتعلقة بالسدود المقامة على (حوض دجلة والفرات)[7] أرسلت بانتظام إلى العراق منذ عام 1980.

¨    إن الادعاء بأن الأنشطة الإروائية الحالية في تركيا تسبب تلوث المياه هي ادعاءات غير مقبولة، وأن تلوث مياه الفرات يعود إلى طرق الري التقليدية في سوريا وعليه يجب توجيه هذه الشكاوى إلى سوريا.

¨         لم تستلم تركيا رداً عراقياً حول المقترحات التركية الخاصة بالاستغلال العادل والأمثل للمجاري المائية، حيثُ أن هذه الاقتراحات تهدف إلى:

1-إجراء مسح لمصادر المياه في المنطقة.

2-تقييم أساليب الري الحالية وتراكيب التربة.

3-تقييم أصناف المحاصيل الزراعية وطرق الزراعة[8].

ومن خلال ذلك سيتم تحديد الاحتياجات الحقيقية للمياه والسياسات الخاصة بالتعامل مع هذه الاحتياجات.

ويلاحظ مما سبق بأن الموقف التركي المتشدد يستند إلى نفس الادعاءات السابقة ولم يناقش وجهات النظر القانونية التي استندت إليها كل من سوريا والعراق والتي تتوافق والقانون الدولي حول الأنهار الدولية، وتسعى تركيا من خلال ذلك لإبقاء الوضع كما عليه ريثما تنتهي من كافة منشآتها المائية على نهر الفرات بغية فرض سياسة الأمر الواقع على دول الحوض الأخرى وكسب مزيد من الوقت لغرض تعزيز موقفها التفاوضي في المستقبل عبر اللجنة الفنية المشتركة لدول الحوض.

 ملخص وجهة النظر القانونية التركية:

وتشمل وجهة النظر هذه قسمين هما[9]:

. A استعراض الوضع القانوني الدولي:

1- لا توجد حتى الآن، أية مجموعة شاملة من القواعد أو المبادئ في القوانين الدولية تحدد الحقوق والواجبات لدولة تقع ضمن أراضيها أجزاء أو أقسام من مجرى مائي عابر للحدود أو منظومات مجارِي مائية.

2-على الرغم من إبرام العديد من المعاهدات الثنائية والمتعددة الأطراف بين الدول المعنية حول الشؤون المائية، فمن المعترف به عامة أن التأثير المشترك لهذه المعاهدات لم يؤدِ ( أو هو لم يؤدِ حتى الآن) إلى ظهور قانون مُلزم بشكل عام حول الاستخدام غير الملاحي لمجاري المياه العابرة للحدود. وإن مبادئ هلسنكي لعام 1966 لا تملك طابعاً إلزامياً.

3-إن لجنة القانون الدولي تعَّد لائحة من القواعد لمجاري المياه الدولية العابرة للحدود وحقوق الدول المعنية وواجباتها. لم تنتهِ اللجنة من عملها لحد الآن، وإن عمل هذه اللجنة لا يمكنه أن يأخذ شكل الإدارة القانونية المُلزمة إلا عبر ميثاق متعدد الجنسيات يتم تبنيه في مؤتمر ديبلوماسي ولا يلزم إلا الدول التي صادقت على هذه المعاهدة.

4-إن قرارات محكمة العدل الدولية، تستخدم كأداة مساعدة لتحديد القواعد القانونية عندما يتعلق الأمر بخلاف قانوني دولي، وهي غير مُلزمة في حد ذاتها ( إلا للأطراف المعنية بالقضية وفيما يتعلق بالقضية نفسها فقط) وعلى الرغم من إمكانية الاستشهاد بها في القضايا اللاحقة إلا أن مهمة المحكمة تنحصر: في تطبيق القانون كما تجده وليس صنعه.

ولكن، بحسب الوضع الحالي للقانون الدولي فيما يتعلق باستخدامات المياه فأن القرارات القضائية أو التحكمية تنحو إلى أن تكون محدودة المدى وتعتمد حلولاً محددة للقضايا التي تُعرض عليها دون غيرها.

5-استوحت لجنة القانون الدولي، مبادئ القانون الدولي لتضمَّن مقترحاتها الدولية مفهوم ( الاستخدام العادل والعقلاني) لمجرى مائي دولي، وإلزام الدول المتشاطئة عدم التسبب بأي ضرر ملموس للدول المتشاطئة الأخرى. وحاولت اللجنة الإجابة عن هذا السؤال بالتشديد على أن مدى ممارسة الدول حقها في الاستخدام العادل، يعتمد على حقائق وأوضاع كل دولة بمفردها ويعتمد خصوصاً على وزن جميع العوامل ذات العلاقة.

وبنتيجة هذا (الفراغ القانوني) اعتمدت الحكومة التركية السياسة القانونية التالية فيما يتعلق بالوضع الحالي لمنظومة المجرى المائي لنهري دجلة والفرات:

 B. وجهة النظر القانونية التركية:

ويمكن تلخيصها بالنقاط التالية:

1-التزمت تركيا، بشكل كامل العمل بمقتضى المبادئ التي اقترحتها لجنة القانون الدولي. وبشكل خاص منها العمل في إطار حقها في السيادة، وذلك عبر تشديها على الحاجات الاجتماعية والاقتصادية لتنمية جنوبي شرق الأناضول كمنطقة تشهد تزايداً سكانياً متسارعاً ولا توجد أية موارد طبيعية في تصرفها.

2-أخذت تركيا في الحسبان المصالح المشروعة للدولتين المتشاطئتين الآخريتين، والمتعلقة بحمايتهما من أي ضرر ملموس. فتعهدت من طرف واحد إطلاق 500 م3/ ثا من مياه نهر الفرات عند الحدود السورية.

3-تصرفت تركيا بشكل عقلاني لدى ملئها خزان أتاتورك، فبلغت كل من سوريا والعراق بكل المعطيات التقنية ووفرت كميات إضافية من المياه قبل الشروع في ملء الخزان.

التفسيرات التركية للقانون الدولي:

لاشك لتركيا مبرراتها الذاتية بالتعامل مع مسألة المياه التي أفرزت الصراع بين دول الحوض، وأن الحجم الضخم للاستثمارات المالية التي وظفتها وعولت عليها في منطقة الأناضول، يقتضي قطف ثمارها ( الداخلية منها: تنمية منطقة الأناضول زراعيا لتصبح سلة الثمار للشرق الأوسط؛ وإنهاء مشكلة الأكراد؛ وإنتاج الطاقة الكهرومائية؛ وزيادة الاحتياطي المائي؛ وتوفير فرص عمل لسكان منطقة الأناضول) في الأمد القريب، وهذا الجني للثمار يبلغ أوجه عندما تكون حسابات تركيا تتجاوز حدودها السياسية وتمتد لتشمل الانسياب الطبيعي للمياه عبر دول الحوض ( الخارجية منها: طموحها بدور إقليمي أكبر؛ وبيع المياه؛ ومُورد أساسي للمنتجات الزراعية في الشرق الأوسط؛ وتحجيم دور دول الجوار من خلال التحكم بحنفية المياه؛ ومُصدر للطاقة الكهربائية) .

لم تتوقف طموحات تركيا عند مجال الانسياب الطبيعي للمياه وإنما راهنت على اقتراح مد شبكات للمياه لتزويد دول المنطقة، بغية توسيع أمنها الإستراتيجي وتأمين حصة إضافية من الأرباح. يمكن استغلالها في دعم متطلبات دورها الإقليمي الذي تراهن عليه في القرن الواحد والعشرين، وقد أدركت تركيا أن دورها الإقليمي يتطلب استخدام سلاح جديد أكثر فتكاً ويتفوق على أسلحة دول المنطقة الأخرى وهو ( سلاح المياه).

أولاً: تركيا والقانون الدولي

ولاستعراض الفهم التركي للقانون الدولي الخاص بالأنهار الدولية، لابد من التطرق إلى جملة من النقاط وهي:

1- المفاهيم الدولية حول الأنهار الدولية:

 أخذت تركيا معايير انتقائية من القانون الدولي في جملة تفسيراتها القانونية حول الأنهار غير الملاحية. نظراً لأن المؤسسات القانونية الدولية وضعت مبادئاً وقوانيناً ،ومنذ أمد بعيد، لمعالجة مشاكل الأنهار الملاحية. وحين انتقلت عدوى الأزمات لتصيب الأنهار غير الملاحية سعت المنظمات الدولية لوضع مبادئاً وأسساً لها.

لذا اعتمدت تركيا (عند معالجتها لهذا النوع من الأنهار) مفهوم (( الأنهار العابرة للحدود)) ولم تعتمد مفهوم (( الأنهار الدولية)) وبسبب رؤيتها القانونية لشمولية تعريف (( الأنهار العابرة للحدود)) والذي تعتقد بأنها الأنهار التي تجتاز حدود الدولة، وتستخدم استخداماً منصفاً ومعقولاً وأمثل.

 وحسب تفسيرها للقانون الدولي، فإن النهر العابر للحدود لا يخضع للقانون الدولي حول الأنهار الدولية وبخلاف ذلك جاء في تقرير لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة لعام 1993، بأنه لا يوجد أي خلاف جوهري حول مفهوم الأنهار الدولية والأنهار العابرة للحدود.

كما أنها لم تستخدم مفهوم (( النهر التعاقبي)) كون موقفها في الأمم المتحدة وفي اللجنة السادسة تحديداً كان منسجماً مع قواعد القانون الدولي التي تنطبق على الأنهار التعاقبية، وما اتفاقيتها مع بلغاريا في 23 / 10/ 1968 إلا دليلاً  على اعترافها وبشكل صريح بأن النهر التعاقبي هو نهر دولي.

2- إقامة المنشآت المائية:

 اعتمدت تركيا في إقامتها لمنشآتها المائية أيضاً على انتقائية للقانون الدولي، حيثُ أشار القانون الدولي إلى حرية أي دولة في إقامة منشآتها المائية ضمن حدودها السياسية لأغراض تطوير مواردها التنموية.

لذا اعتبرت السدود المقامة على نهر الفرات تعود بالفائدة على دول الحوض حيثُ أنها تدرأ خطر الفيضانات وتوفر المياه الزائدة عن الحاجة وتجاهلت المبادئ الأخرى[10] التي تشير إلى: وجوب دخول الأطراف ذات العلاقة في استشارات ومداولات فيما بينها قبل البدء بأي مشروع في الحوض النهري. وكذلك لم تراعِ المبدأ الذي يؤكد: على دول الحوض أن تتوقف عن بناء أية منشآت في حال وجود نزاع بين دول الحوض.

 تستند تركيا إلى مفهوم (( السيادة المطلقة)) أو ما يطلق عليه مبدأ (( هارمون)) في تنفيذ مشاريعها المائية أو التصرف في المياه الدولية.

وتعتقد تركيا أن مفهوم [حقوق السيادة (المطلقة) هذه، تمتد إلى جزء النهر الذي يجري في أراضيها شريطة ألا تتسبب الدولة بأي أذى واسع النطاق يطول دول أسفل النهر أو أعلاه. ولكن يجب أن لا يفهم أن على الدولة ( تركيا) واجب التخلي عن احتياجاتها لإشباع احتياجات البلدان المجاورة[S3] ].

 وبالضد من ذلك، فقد أكدت محكمة التحكيم الدولية في نيسان 1949 [بشأن قضية مضيق (( كورفر)) بين بريطانيا وألبانية مبدأ: مسؤولية الدول عن أفعال ارتكبت في أراضيها خلقت آثاراً ضارة على أراضي دولة أخرى. وكذلك في قضية (( لانو)) بين فرنسا وأسبانيا بتاريخ 16/ 11/ 1957 بَّرد مبدأ هارمون. وأعلنت المحكمة على أن الدولة أعلى النهر مُلزمة، سنداً لقواعد حُسن النية، بإدخال مصالح الآخرين المختلفة في اعتبارها. وبالسعي لمنحهم كل التعويض الذي يتفق مع سيعيها وراء مصالحها الخاصة، لتبرهن على أن لديها، بالنسبة لهذا الموضوع، اهتماماً حقيقياً لتوفيق مصالح الدول المتشاطئة الأخرى مع مصالحها[S4] ].

ولم يعد، مفهوم (( السيادة المطلقة)) مقبولاً في الحياة الدولية وقواعد القانون الدولي وسلوك المجتمع الحضاري. وقد استعاض عنه المجتمع الدولي وقواعد القانون الدولي بمفهوم (( السيادة المقيَّدة)) والتي تحَّد من الممارسات غير المسؤولة لدول المنبع اتجاه دول أسفل النهر، وبنفس الوقت لا يُلغي سيادة دولة المنبع بشكل مطلق على جزء من مجرى النهر الدولي.

 إن القيود التي تضعها قواعد القانون الدولي على الانتفاع من مجاري الأنهار الدولية، جاءت نتيجة الخصوصية التي تتمتع بها المياه الجارية عبر البلدان من حيث التبدلات التي قد تحدث على مستوى الكمية والنوعية والتي من شأنها ترك آثار سلبية على الدول أسفل مجرى النهر. وتتركز وجهة نظر كل من سوريا والعراق حول السيادة المشتركة على مياه النهرين، وهذا ما ترفضه تركيا بحجَّة أن مياه النهرين ينبعان من أراضيها وبالتالي لها حرية السيادة المطلقة على المياه التي تجري في أراضيها.

 3- الانتقائية التركية للمفاهيم والقوانين الدولية:

 تطرح تركيا مبدأ (الاستخدام المنصف والمعقول والأمثل للمجاري المائية) وتدعو دول الحوض إلى تشكيل لجنة مشتركة لجرد مواردها المائية وتقييم التقنيات المستخدمة وتراكيب التربة وأصناف المحاصيل الزراعية وطرق زراعتها ووفقاً لتلك النتائج سيتم تحديد احتياجاتها المائية.

من الناحية العلمية والتقنية فإن هذا الإجراء العلمي متبع في العلوم الزراعية عندما يراد ،تحديد متطلبات المياه، وتستخدمه معظم الدول المتطورة من أجل زيادة إنتاجها الزراعي وتقليل نفقات وحدة الإنتاج.

 ولا شك، أن نسبة الهدر المائي في دول الحوض للمياه كبيرة جداً نتيجة الاستخدام غير العقلاني خاصة في العراق، إضافة إلى تخلف طرق الري، وسوء الاختيار للأصناف النباتية الشرهة للماء وغيرها من العوامل الأخرى.

هذه الإجراءات التقنية التي تقترحها تركيا يمكن الأخذ بها ضمن سيادة كل دولة على حدة وفقاً لشروط وأولويات التنمية التي تحددها ذات الدولة وقدراتها المالية (لا كما ترغب تركيا وفقاً للجان مشتركة) ولا يمكن الأخذ بالاقتراحات التركية كشرط لتوزيع حصص المياه لأسباب عديدة منها:

1-تحديد الإجراءات التركية المقترحة يتطلب وقتاً طويلاً وقد لا تتطابق وجهات نظر الفنيين بشأنها مما يؤدي إلى عدم اعتمادها كصياغة لتحديد الحصص.   

 2-إدخال التقنيات الحديثة في الري، يتطلب رصد موازنات مالية قد لا تتحملها اقتصاديات دول الحوض.

3- إبدال الأصناف النباتية المعتمدة الشرهة للماء يحتاج إلى وقت وأموال طائلة.

4- اعتماد الطرق التقنية الحديثة للري تتطلب توعية زراعية للفلاحين وهذه تحتاج لخطة تمتد لعدة سنوات.

5- تحليل تراكيب الترب الزراعية تحتاج إلى مختبرات حديثة وكادر علمي لاختصار المدة الزمنية للاختبارات اللازمة ولا يمكن اعتماد التقنيات التقليدية المتوفرة في دول الحوض.

نهر الفرات والقانون الدولي:

يعتبر نهر الفرات وفقاً للقانون الدولي، من الأنهار الدولية نظراً لاشتراك أكثر من دولة في حوضه النهري. إضافة إلى، اعتماد بعض دول الحوض تاريخياً في بناء حضاراتها على الموارد المائية لنهر الفرات وحسب نصوص القانون الدولي للأنهار الدولية، الذي أوجب دولة المنبع إشعار دول الحوض مسبقا عن النَّية في إقامة مشاريع مائية على النهر، كما لم يجيز  إقامة هذه المشاريع دون التوصل إلى اتفاق مع دول الحوض.

ولا تزال تركيا، تعتبر نهر الفرات غير معني بتلك القوانين الدولية. واستناداً إلى ذلك، أقامت مشاريعها المائية دون التشاور مع جيرانها من دول الحوض (سوريا والعراق). وبذلك نسفت تركيا مبدأ الحقوق المشتركة المتساوية لدول الحوض، في استثمار المشاريع. ولم تؤدِ، هذه المشاريع إلى تجاوز أحد البنود المهمة من القانون الدولي حسب.

وإنما أضرت بدول الحوض، التي لديها العديد من المشاريع الاقتصادية نتيجة انخفاض التدفق المائي عبر النهر وبذلك خالفت تركيا ((المادة د)) من مبادئ هلسنكي لعام 1966 باعتبار الفرات نهراً دولياً. واعتبرت الفرات نهراً عابراً للحدود، يقطع حدودها عبر الدول. وبهذا، فأنها لم تراعِ الحقوق التاريخية لدول الحوض وأيضا لم تمتثل إلى مبدأ التعويضات التي أقرتها مبادئ هلسنكي لعام 1966. واستخدمت مبدأ الاستخدام التعسفي للحق في استثمار وتخزين مياه نهر الفرات.

وبخلاف ذلك عندما وقعت معاهداتها مع ( الاتحاد السوفيتي؛ واليونان؛ وبلغاريا) وافقت على:

¨         تقاسم المياه مناصفة مع الاتحاد السوفيتي وعلى حصص عادلة مع كل من اليونان وبلغاريا.

¨         عدم الإضرار بدول الحوض.

¨         وجوب الحصول على موافقة دول الحوض الأخرى قبل البدء بإقامة منشآت على النهر الدولي.

ويمكن الاستنتاج من خلال ذلك، إلى أن تركيا تسعى لاستخدام سلاح المياه ضد جيرانها العرب من دول حوض الفرات. ودون أية مراعاة للقوانين والتشريعات الدولية الخاصة بالأنهار الدولية، مما يؤكد مخاوف دول الحوض الأخرى من أن تركيا تسعى لاستخدام سلاح المياه ضدها.

 يعتبر النزاع في حوض الفرات [ نزاعاً قانونياً من ناحية الأساس، فالطريقة التي تؤكد دوماً على قانونية العناصر المبحوثة، هي الطريقة الوحيدة التي تثبت ملاءمتها. ووصف النزاع بتعبيرات قانونية تجعله ضمن نطاق القانون الدولي طالما أنه يضع دولاً ذات سيادة وجهاً لوجه، وموضوع النزاع هو نهر يمكن وصفه بنهر متعدد الجنسيات[S5]  ].

إن لم تستجب تركيا، إلى القانون والمعاهدات الدولية بشأن توزيع حصص المياه على دول الحوض بشكل عادل في الوقت الحاضر. فمن، يضمن أنها لا تقوم بقطع نهائي للمياه عن دول الحوض مستقبلاً في حال نشوب خلاف بينها وبين إحدى دول الحوض حول المياه.

ولتسليط الضوء على الاتفاقيات الموقعة بين العراق ودول حوضي دجلة والفرات، نورد أهمها:

1-الاتفاقيات العراقية- التركية:

 1-جاء في المادة ( 109 ) من اتفاقية لوزان المعقودة بين تركيا ودول الحلفاء بتاريخ 24 /7/ 1923 ما يلي: عند عدم وجود أحكام مخالفة، يجب عقد اتفاق بين الدول المعنية من أجل المحافظة على الحقوق المكتسبة لكل منهما وذلك عندما يعتمد النظام المائي ( فتح القنوات، الفيضانات، الري، البزل والمسائل المماثلة ) على الأعمال المنفذة في إقليم دولة أخرى أو عندما يكون الاستعمال المائي في إقليم دولة. ومصادر هذه المياه في دولة أخرى، بسبب تعيين حدود جديدة وعند تعذر الاتفاق تحسم المسألة بالتحكيم.

2-البروتوكول رقم (1) الخاص بتنظيم مياه نهري دجلة والفرات الملحق بمعاهدة الصداقة وحُسن الجوار الموقعة بين العراق وتركيا، بتاريخ 29 /3/ 1946 والتي أوردنا بنودها سابقاً.

3-بروتوكول التعاون الاقتصادي والفني بين العراق وتركيا الموقع عليه، في أنقرة بتاريخ 17 /1/ 1978 حيثُ نصت مادته الثالثة على ما يلي[11]:

¨    تجري السلطات التركية المختصة أثناء وضع برنامج ملء خزان كيبان، جميع المشاورات التي تعتبر مفيدة مع السلطات العراقية المختصة بغية تأمين حاجات العراق وتركيا من المياه بما في ذلك متطلبات ملء خزاني الحبانية وكيبان.

¨         يشرع الطرفان في أسرع وقت ممكن بالمباحثات حول المياه المشتركة ابتداءً بنهر الفرات وبمشاركة الأطراف المعنية.

4-محضر اجتماع اللجنة العراقية- التركية المشتركة للتعاون الاقتصادي والفني الموقع في أنقرة بتاريخ 5 /12/ 1980، إذ نص الفصل الخامس منه الخاص بالمياه الإقليمية على ما يلي:

¨         اتفق الجانبان على التعاون في مجال السيطرة على التلوث للمياه المشتركة في المنطقة.

¨    اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة خلال شهرين لدراسة المواضيع المتعلقة بالمياه الإقليمية ( بشكل خاص حول حوضي نهري دجلة والفرات ) على أن تقدم تقريرها إلى حكومات البلدان الثلاث (تركيا، سوريا والعراق) خلال فترة سنتين قابلة للتمديد سنة أخرى، وفي ضوء استلام التقرير ستدعى الحكومات الثلاث لعقد اجتماع على مستوى وزاري، لتقييم نتائج أعمال اللجنة الفنية المشتركة، ولتقرير الطرق والإجراءات التي توصي بها اللجنة الفنية المشتركة للوصول إلى تحديد الكمية المناسبة والمعقولة من المياه التي يحتاجها كل بلد من الأنهار المشتركة.

لم تحقق الاتفاقيات والبوتوكولات التي وقعتها تركيا مع كل من سوريا والعراق أي تقدم ملموس بشأن تحديد حصص عادلة بين دول الحوض كون هذه الاتفاقيات والبوتوكولات لم تعالج كل المشاكل العالقة. وتأخذ بعين الاعتبار التطورات التنموية والسكانية المرتقبة وحاجاتها المائية، وتم تأجيل معظم الخلافات الجوهرية، مما أدى لاحقاً إلى تراكم هذه الخلافات وبات من الصعوبة الوصول إلى حلول وسط بشأنها.

خاصةً بعد التطورات السياسية التي اجتاحت المنطقة، والسعي التركي الحثيث لاستعادة دوره الإقليمي في المعادلة الدولية الجديدة. وهذا الدور التركي، يتطلب سلاحاً جديداً ( سلاح المياه) حيث أدركت تركيا أهميته وفعاليته (ولن تتردد من استخدامه) في  حال عدم تحقق رغباتها وطموحاتها في ظل المعادلة الدولية الجديدة.

2- الاتفاقيات العراقية-السورية

تتحمل كلاً من سوريا والعراق، قدراً من المسؤولية ( المادية والمعنوية) إلى ما آلت إليه الأمور في حوض الفرات. بسبب الخلافات السياسية بينهما، وقد أدى ذلك إلى اختلال أمنهما المائي. مما شجع تركيا على انتهاج سياستها المائية لتضعهم أمام الأمر الواقع، في عدم تعاملها بمبدأ  توزيع حصص المياه العادلة.

نبذة تاريخية عن أهم الاتفاقيات واللقاءات

 تعود مرحلة المفاوضات الجدَّية التي بدأت بين الجانبين السوري والعراقي حول توزيع حصص مياه الفرات إلى عام 1962 في دمشق ( وقد تكون المذكرة التركية التي أرسلت إلى الجانب العراقي في عام 1957 والتي تضمنت إشعاراً بعزم تركيا على إنشاء سد كيبان) حافزاً لهذه المفاوضات.

وأتسم اللقاء الأول بين الجانبين، بتبادل المعلومات المتعلقة بمياه الفرات. والاعتراف بحقوق المشروعات المائية القائمة في البلدين، إضافة  إلى تشكيل هيئة دائمة تنسق جهود الطرفين لمجابهة المشاريع الرامية للسيطرة على مياه نهر الفرات.

إن الأهمية في هذا اللقاء، لا تكمن بما توصل إليه الجانبين. وإنما في تطبيق هذا الاتفاق، خاصةً بما يتعلق بتشكيل الهيئة الدائمة التي أسرتها الأحداث السياسية، وحالت دون تشكيلها. ويجب الإشارة إلى أن مهام هذه الهيئة الدائمة التي كان من المقرر تشكيلها عام 1962 هي نفس مهام اللجنة الفنية المشتركة والتي اتفق الجانبان السوري والعراقي على تشكيلها عام 1980. والذي انضم إليها الجانب التركي في عام 1984.

لقد مضى 18 عاماً على الاقتراح الأول لتشكيل هذه اللجنة، ولو باشرت تلك اللجنة مهامها منذ تلك الفترة وتجاوز البلدين خلافاتهما السياسية لما كان هذا الإهدار الكبير بالحقوق القومية العليا. وما تجرأت تركيا، على فرض سياسة الأمر الواقع بشأن تقاسم مياه الفرات.

عقد لقاء أخر في أواخر عام 1965 في بغداد بين الجانبين (حضر اللقاء مندوب عن الجانب التركي). وتم مناقشة تقاسم مياه نهر الفرات والإعداد لجدول زمني لملء خزانات المياه في بلدان الحوض. ولم تتوصل الأطراف، إلى أية نتائج ملموسة وأعتبر اللقاء سلبياً. بسبب مسعى كل طرف من الأطراف، إلى تغليب مصالحه الذاتية على مصالح دول الحوض الأخرى.

جرت عدة لقاءات أخرى بين الجانبين ( السوري والعراقي) في دمشق. وذلك في أواسط عام 1966 وأوائل 1967 لمناقشة توزيع المياه، بشكل عادل وتحديد المساحات الزراعية الفعلية وحاجاتها المائية. انتهت هذه اللقاءات دون التوصل إلى أي اتفاق، بسبب عدم وجود دراسات دقيقة للحاجات المائية والمساحات الداخلة فعلاً في حيز الإنتاج والتي تم الاتفاق على تأمينها في الاجتماع القادم.

وعاد الجانبان للاجتماع في أواسط عام 1967، بعد أن تم تهيئة الدراسات اللازمة والمتفق عليها سابقاً. وأبدى الجانب السوري في هذا الاجتماع حاجته إلى 40% من مياه الفرات، لتأمين حاجة مشروعاته الإنمائية. وطالب العراق، بأجراء تعديلات على أنظمة الري التقليدية القائمة للوصول إلى الاستخدام الأمثل للمياه. وفشل الاجتماع، دون التوصل إلى أي اتفاق بسبب تمسك الجانب السوري بمطاليبه. وتم الاتفاق على تأجيل الاجتماع لإجراء مزيد من المشاورات.

ولابد من الإشارة هنا، إلى أن أحد شروط الجانب التركي في الوقت الحاضر للتوصل إلى اتفاق بشأن توزيع حصص المياه مع كل من العراق وسوريا هو إجراء تقيم أنظمة الري التقليدية واستبدالها بأنظمة الري المتطورة. وتحديد المساحات الزراعية الفعلية، وهذا ما ترفضه كلاً من سوريا والعراق كشرط مسبق لتقاسم المياه.

في أواخر عام 1967 أجتمع الجانبان في بغداد. واقترح الجانب السوري، إجراء توزيع ( لنسب المياه) بدلاً من توزيع ( حصص المياه)كما تطالب تركيا به في الوقت الحاضر.

 وهذا ما يرفضه الجانب العربي، إذ يحصل خلاله العراق على 59% وسوريا على 41% من مياه الفرات المارة عبر الحدود السورية وحدد الاقتراح السوري المساحات المزروعة ب 67% للعراق و 33 % لسوريا. وإن توزيع فائض المياه يتم مناصفة، وقد رفض الجانب العراقي الاقتراح السوري واعتبره مناورة سورية للتهرب من التزاماتها السابقة وانتهى الاجتماع بالفشل.

كان على العراق القبول بالاقتراح السوري، لتعزيز الموقف التفاوضي العربي مع تركيا. فبعد 23 عاماً، وافق العراق على نسب أقل من النسب التي أقترحها الجانب السوري في عام 1967.

فقد وافق العراق بتاريخ 16 / 4/ 1990 على تقاسم نسب المياه مع سوريا بنسبة 42% لسوريا و 58 % للعراق (وإن أل 23 سنة الماضية) من الخلافات كانت كفيلة بانتزاع اتفاقاً مع تركيا لتوزيع عادل لحصص المياه لو تم تنسيق جهود البلدين.

عاد الجانبان، للاجتماع في أوائل 1971 في دمشق لمناقشة الحقوق المكتسبة للجانبين من مياه نهر الفرات. ولم يتوصل الجانبان، إلى أي نتائج. وتم تأجيل الاجتماع إلى آذار 1972، حيثُ استأنفت المفاوضات بين الجانبين. وتقدم العراق باقتراحين هما:

¨         اعتماد أسس لضمان الحقوق التاريخية المكتسبة للجانبين.

¨         حساب الحاجات المائية للمساحات الزراعية الفعلية.

ورفض الجانب السوري الاقتراح الأول، وتم التمسك بمناقشة المقترح الثاني ( الذي اقترحته سوريا سابقاً في أواخر عام 1967 في بغداد ورفضه العراق في حينه). ولكن الجانب العراقي، أصرَّ على مناقشة المقترحين وفشل الاجتماع. وفي نفس العام أقترح الجانب السوري، باستعداد بلاده بقبول لجنة تحكيم من الخبراء السوفيت بين الجانبين. ووافق العراق على المقترح، وتم الاتفاق على تحديد أسس عمل لجنة التحكيم وهي:

¨         اعتماد قرار لجنة التحكيم السوفيتية.

¨    اعتبار الحقوق المكتسبة للعراق 13 مليار م3 سنويا و 4 مليارات م3 سنويا لسوريا. وقسمة فائض المياه بين الجانبين بنسبة 30% للعراق و 70% لسوريا.

¨         التوقيع على معاهدة لمدة عشرة سنوات، تحدد فيها المساحات الزراعية التي ستدخل حيز الإنتاج بنسبة 1:2 لصالح العراق.

ورغم تلك المناقشات الفنية للجان، فقد فشل الاجتماع حال عودة الوفود المفاوضة إلى حكوماتها. ولاشك، فأن الفشل يعود إلى الخلافات السياسية بين الحكومتين. وفي أوائل 1973، عاد الجانبان لمناقشة المقترحات السابقة ومن دون التوصل إلى نتائج مرجوة.

أجتمع الجانبان في أواخر 1973 وطالب العراق، سوريا بتدفق قدره 450 م3 / ثا في الموسم الشتوي و 500 م3 / ثا في الموسم الصيفي. ووافق الجانب السوري على المطلب العراقي، واعتبر هذا الاجتماع من الاجتماعات الإيجابية بين الجانبين.

أجريت مفاوضات ثلاثية لدول الحوض في أواسط 1974، لغرض ملء خزاني (( كيبان والطبقة)). ولم تتوصل الأطراف، إلى أي اتفاق بسبب اختلاف وجهات النظر حول تقاسم حصص مياه لملء خزاناتها. وعليه، عاد الجانبان العراقي والسوري للاجتماع في حزيران 1974 لأجل تقاسم التصاريف المتوقع إطلاقها من خزان كيبان والمقدرة في حينه 175 م3 / ثا خلال حزيران و 340 م3 / ثا خلال ( آب؛ وأيلول؛ وتشرين الأول) وتم الاتفاق على ما يلي:

¨    يتم تخزين مياه التصاريف في بحيرة الأسد من 5/ 6 - 10/ 7 / 1974 لرفع منسوب البحيرة إلى 283.28 م على أن يكون التدفق على الحدود العراقية- السورية 90 م3 / ثا خلال شهر حزيران و 110 م3 / ثا خلال أوائل تموز.

¨    خلال تلك الفترة، يستخدم العراق مخزونه من مياه بحيرة الحبانية لتلبية حاجاته المائية. ثم يبدأ الجانب السوري، اعتباراً من 11/ 7 / 1974 بإطلاق المياه المخزونة في بحيرة الأسد فوق منسوب 284.25 م، مضافاً إليها كميات الجريان الطبيعي للنهر الذي تم الاتفاق عليه سابقاً.

¨         يتم الاتفاق على تقاسم التصاريف المنطلقة من سد كيبان لاحقاً ووفق الأهداف التنموية لكل جانب.

ولم يطبق الاتفاق وتبادل الجانبين الاتهامات حول التنصل من بنوده.

عقد اجتماع ثلاثي لدول حوض الفرات في أواسط آب 1974 وتم الاتفاق على ما يلي:

1-وافق الجانب التركي على تدفق قدرة 325 م3 / ثا من سد كيبان اعتباراً من 18/ 8/ 1974.

2-وافق الجانب السوري على تدفق قدرة 100 م3 / ثا ( لمدة 20 يوم) على الحدود السورية- العراقية[12].

عقدت مباحثات في أواخر 1974 طالب فيها العراق سوريا بتأجيل الخزن في بحيرة الأسد لحين الانتهاء من فترة بذار الموسم الشتوي وأعداد خطة لتحديد حصص المياه انتهى الاجتماع دون التوصل إلى اتفاق بين الجانبين.

لقد تعمقت الخلافات السياسية بين الجانبين. وفي أوائل 1975 زادت الحملات الإعلامية والتحركات العسكرية على جانبي الحدود ونتيجة لهذا الوضع ( الخطير) تدخلت الجامعة العربية لحل الخلاف بينهما ( بعد أن قدم العراق مذكرة  للجامعة العربية بتاريخ 7 / 4 / 1975) وأجتمع مجلس الجامعة العربية في 12- 22 / 4/ 1975. وأصدر قراراً، بتشكيل لجنة من الأمانة العامة للجامعة تضم في عضويتها كل من ( تونس؛ والجزائر؛ والسعودية؛ والسودان؛ والكويت؛ ومصر؛ والمغرب؛ والعراق؛ وسوريا) لأجل التوصل إلى تسوية واقترحت اللجنة عدداً من التوصيات منها:

¨         تحتفظ سوريا بمنسوب تخزين في بحيرة الأسد 290.63 م.

¨         تستخدم إيرادات نهر الفرات في المرحلة التالية لتلبية حاجة البلدين.

¨         الفوائض المائية تحجز في بحيرة الأسد.

¨         تتعهد سوريا بإطلاق المياه من بحيرة الأسد لتغطية حاجات العراق المائية ولمستوى لا يقل عن 285 م في بحيرة الأسد.

ولم يلتزم الجانبان بكامل بهذه التوصيات. مما أدى لاحقاً، إلى تأزم الموقف السياسي وتعلق المفاوضات بينهما.

ثم أجتمع الجانبين في أوائل 1980 ، وحصل اتفاق بينهما على تشكيل لجنة فنية مشتركة وتنسيق مواقفهما في المباحثات مع الجانب التركي.

ويعتبر هذا الاجتماع إيجابياً، نظراً لتوصل الجانبين إلى قرارات هامة بشأن تشكيل اللجنة الفنية المشتركة، وانضمت تركيا إلى اللجنة الفنية المشتركة في أوائل 1984، وعقدت اللجنة الثلاثية المشتركة لدول حوض الفرات 17 اجتماعاً حتى عام 1992 دون أن تتوصل إلى أي اتفاق عادل يضمن حصص عادلة لدول الحوض.

استمرت الاجتماعات بين البلدين ( سوريا والعراق) من أجل تنسيق المواقف. وتقاسم نسب المياه، وكان من أبرزها  الاجتماع بتاريخ 16 / 4 / 1990 والذي تم فيه الاتفاق على تقاسم نسب المياه بنسبة 42% لسوريا و 58% للعراق.

 وتواصلت الاجتماعات الدورية للجنة الفنية المشتركة بين الجانبين العراقي والسوري، لأجل تنسيق المواقف وتبادل المعلومات المائية بعد أن قاطعت تركيا هذه اللجنة منذ حبسها للمياه في عام 1990.

أن الخلاف السياسي بين سوريا والعراق قد مهد الطريق للجانب التركي لتنفيذ مشاريعه المائية، ودون أي عائق مما أدى لاحقاً إلى فرض شروط وصياغات جديدة عليهما. ولو حصل تنسيقاً للمواقف، منذ البداية بين سوريا والعراق لاضطرت تركيا التوقيع على اتفاق لتقاسم المياه بشكل عادل[13].

من الاستعراض السابق للخلافات والاتفاقات المائية بين العراق ودول حوضي دجلة والفرات، نجد أن النظام البائد قد فرط بحقوق العراق المائية نتيجة سياساته المتخلفة. لذا يتطلب الأمر من سلطة الحكم الانتقالي العمل على إجراء مفاوضات جديدة مع دول حوضي دجلة والفرات من أجل استعادة الحقوق المائية التي فرط بها النظام البائد. ونعتقد أن النقاط التي يتوجب التفاوض بشأنها هي:

1-التنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية من أجل الضغط على تركيا لإبرام معاهدة نهائية بشأن توزيع حصص المياه بشكل عادل ومنصف في حوضي دجلة والفرات، بغية نزع فتيل الأزمة التي قد تعصف بالعلاقات مع تركيا مستقبلاً خاصة أن العراق يعاني من عجز مائي مقابل زيادة بمتطلباته المائية.

2-إن الاتفاقيات الاقتصادية المحتملة مع تركيا (أو المبرمة سابقاً) يجب أن تكون مرهونة بتسوية مائية بين الجانيين.

3-مطالبة إيران أن تنهي إجراءاتها السابقة الخاصة بتحويل مجاري روافد دجلة نحو أراضيها أو الحد من جريانها نحو الأراضي العراق بغية الضغط على النظام البائد من أجل تسوية مشاكل الحدود ومخلفات الحرب. وبما أن النظام البائد قد زال يتوجب على إيران أن تبدي حُسن نيتها عبر إعادة تدفق تلك الروافد نحو الأراضي العراقية.

4-الاتفاقيات الاقتصادية وتسوية مشاكل الحدود ومخلفات الحرب مع إيران يجب أن تكون مرهونة بتسوية مائية لإعادة تدفق روافد نهر دجلة نحو الأراضي العراقية.

5-مطالبة الأشقاء في سوريا بإعادة النظر بالاتفاق المبرم في العام 1990 مع النظام البائد الخاص بتقاسم نسب المياه في حوض الفرات والذي خص سوريا بنسبة 42 في المائة وخص العراق بنسبة 58 في المائة والعودة إلى النسب السابقة المقترحة من الجانب السوري التي خصت سوريا بنحو 41 في المائة والعراق 59 في المائة. ونأمل أن يتفهم الجانب السوري المطالبة العراقية والحاجات المائية المتزايدة للمشاريع إعادة الأعمار، والنظام البائد عمد منذ البدء على التفريط بسيادة العراق وحدوده ومياهه. لذا نعتقد أن عودة تلك الحقوق قد تجد تفهماً لدى القيادة السورية.

6-توسيع آفاق التعاون الاقتصادي والسياسي الذي نتوخاه مع سوريا، يتطلب تفهماً من القيادة السورية لمتطلبات العراق المائية.

7-إبرام اتفاقاً مع السعودية بشأن الاستثمار الآمن والعادل لمياه الحوض الجوفي المشترك بين البلدين، نظراً للاستخدام التعسفي السعودي لمياه حوض الفرات الجوفي المشترك.

ستوكهولم بتاريخ 24/8/2003.

 

الباحث والخبير

  بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي             

 



[1] تشترك السعودية في الحوض الجوفي للفرات مع العراق، وطبقاً للتعريف القانون الدولي لمجرى النهر الدولي: هو كتلة المياه السطحية والجوفية التي تقع أجزاء منه في دولة أو أكثر. وعليه نطالب انضمامها للجنة الفنية المشتركة لحوض الفرات التي تضم تركيا؛ وسوريا؛ والعراق، ويجد الإشارة إلى الحوض الجوفي للفرات يمتد نحو 10 آلاف كم2 داخل الأراضي السعودية، والأخيرة تستثمر مياه الحوض بشكل تعسفي وعلى حساب العراق.

[2] يبلغ طول شط العرب من مدينة ((القرنة)) العراقية وحتى مصبه في الخليج العربي زهاء 204 كم ويقدر طول المياه الإقليمية العراقية بحدود 102 كم حتى مدينة البصرة ((قضاء العَّشار)).

 [3] اعترف فقهاء القانون الدولي بوجود ثلاثة نماذج في تثبيت خط الحدود بالأنهار الدولية المشتركة ( الملاحية) وهي: ضفة النهر Bank وخط الوسط Median Line ومجرى الملاحة (خط العمق) Thalweg. ومن الفقهاء من يعتبر النهر المشترك غير مملوك لأي من الدولتين الواقعتين على ضفتيه، بل يعتبره منطقة محايدة، ويسير خط الحدود بمحاذاة شاطئ كل منهما.

[4] يجدر الإشارة إلى، أن الرئيس العراقي المخلوع (صدام حسين) هو الذي قام ( عندما كان نائباً للرئيس) بتوقيع اتفاقية عام 1975 في الجزائر مع شاه إيران المخلوع ( تنازل خلالها عن حقوق العراق في شط العرب، مقابل أن تحجب إيران مساعدتها اللوجستية للأكراد العراق) ومن ثم هو الذي قام بشن حرب على إيران عام 1980 بغرض نقض الاتفاق والتي راح ضحيتها أكثر من 1.5 مليون عراقي بين قتيل ومعاق. ومن ثم عاد النظام العراقي، واعترف في العام 1990 باتفاقية الجزائر لعام 1975 وانسحب للحدود الدولية. أعقبها غزو لدولة الكويت في العام 1990، بحَّجة ( أنها أرض عراقية) علماً بأن نفس النظام، كان قد تنازل عن حق العراق في الكويت ( أعطى اعترافه بدولة الكويت) في العام 1963 مقابل بضع ملايين من الدنانير كان قد قدمها أمير الكويت لقادة انقلاب 8 شباط عام 1963.  بالإضافة إلى ذلك، قام النظام العراقي ومنذ مجيئه إلى السلطة عام 1968 بإعادة رسم حدود العراق مع السعودية ( تنازل خلالها عن منطقة الحياد) وكذلك مع الأردن تنازل خلالها عن  أراضي عراقية في منطقة H3.

[5]  إن نقص واحد مليار م3 من حصة العراق المائية يعني خروج 260 ألف دونم من الأراضي الزراعية من حيز الإنتاج.

 [6]استكملت الاتفاقية الإطارية للأنهار غير الملاحية عام 1997 ولم يوقع عليها الجانب التركي.

[7]  لاحظ كيفية استخدام الجانب التركي لمفهوم (( حوض دجلة والفرات )) بالرغم من أعترض دول الحوض باعتبار نهري دجلة والفرات حوضين منفصلين، وأن مساحة حوض نهر الفرات تقع ضمن كل من ( تركيا؛ وسوريا؛ والعراق؛ والسعودية) في حين أن حوض نهر دجلة ( تشكل الروافد الإيرانية لمياه نهر دجلة في العراق بحدود 10- 20%) يقع ضمن كل من ( تركيا؛ وإيران؛ وسوريا؛ والعراق) وبالتالي لا يمكن جدولة مياه النهرين في حساب الحصص كما يرى الجانب التركي لأنه هناك طرفاً أخر ( إيران) يمكن أن يدخل المعادلة دون أن يكون ذات علاقة بنهر الفرات وتوزع الحصص. للمزيد راجع صاحب الربيعي (( أزمة حوضي دجلة والفرات وجدلية التناقض بين المياه والتصحير)) دار  الحصاد، دمشق 1999.

[8]  راجع النص الكامل للمذكرات عند علي جمالو (( ثرثرة فوق الفرات)) رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 1996  ص41- 46.

 [9] تقرير القانوني التركي ((جيرت جوماق)) إلى وزارة الخارجية التركية لعام 1994. راجع كل من حاقان طونش- مصدر سابق ص 258-288، ود. نبيل السمان (( الفرات والقانون الدولي)) دار الطباعة والتاريخ بلا ص 40-42.

[10] راجع بنود وتوصيات مؤسسة القانون الدولي في دورتها لعام 1991 المنعقدة في سالزوبورغ.

 [11] المصدر السابق ص 91,92 .

[12]  اقتبست البيانات من عز الدين الخيرو ((الفرات والقانون الدولي)) منشورات وزارة الإعلام، بغداد 1976 ص 241، 247.

[13] للمزيد راجع صاحب الربيعي ((القانون الدولي وأوجه الخلاف والاتفاق حول مياه الشرق الأوسط)) دار الكلمة، دمشق 2001.


 [S1] د. أحمد سوسة ((تاريخ حضارة وادي الرافدين)) الجزء الأول، دار الحرية للطباعة، بغداد 1983 ص 84.

 [S2] حسن شبلي وطارق مجذوب في بحث لهما في كتاب جي. أ. آلن وشبلي الملاط ((المياه في الشرق الأوسط-إلماحات قانونية وسياسية واقتصادية)) ترجمة محمد القوتلي، منشورات وزارة الثقافة السورية 1997 ص 267.

 [S3] المصدر السابق ص 270.

 [S4]نفس المصدر ص 287.

 [S5] نفس المصدر ص 243.