المشاريع المائية الاستراتيجية

ودور العراق القادم

يصنف العراق من الدول الغنية بالمياه في المشرق العربي مقارنة بدول الخليج العربي وبقية دول الهلال الخصيب ( عدا لبنان) ولكن المنشآت المائية التركية أل GAP أحدثت اختلال بتلك بالتصنيفات القديمة للدول الغنية والفقيرة بالمياه في المنطقة. وبنفس الوقت لم تبادر الحكومة العراقية ( بالرغم من عوائدها المالية الكبيرة) لاتخاذ إجراءات فعالة للحد من تأثيرات المنشآت المائية التركية، وبات الوضع المائي في العراق حرجاً مع تزايد المتطلبات السكانية والتنموية. وإن المنشآت المائية العراقية لم تعد قادرة على تلبية تلك الاحتياجات خاصة بعد تعطل تنفيذ العديد منها بعد حربي الخليج الأولى والثانية.

 وزاد من تلك التأثيرات العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق ( نتيجة ممارسات النظام غير المسؤولة) حيث عطلت هي الأخرى  سُبل تنمية الموارد المائية المحلية.

فالعراق هو هبة الرافدين كما مصر هي هبة النيل، فلولا الرافدين في العراق لتحولت أراضيه إلى جزء من الصحراء خاصة أن المعدل الوسطي لهطول الأمطار في القسم الأعظم من مساحته لا تزيد على 150 ملم سنوياً وهي غير كافية بالمعايير الزراعية للنهوض بالقطاع الزراعي.

 وكان العراق غنياً بالمياه قبل شروع تركيا بمنشآتها المائية، حيث تراوحت إجمالي إيراداته المائية بين ( 60-70) مليار م3 سنوياً وانخفضت تلك الإيرادات بين ( 40-45) مليار م3 سنوياً. فبعد أن كان إيراد الفرات يزيد على 18 مليار م3 سنوياً وصل في الوقت الحاضر إلى 9 مليارات م3 وفقاً لاتفاق العام 1987 الذي وقعته سوريا مع تركيا ( بدون موافقة العراق) والذي أطلق عليه قاعدة ال 500 م3/ثا والذي اعتبرته سوريا موقتاً لحين الانتهاء من تعبئة خزان أتاتورك واعتبرته تركيا نهائياً ودفع العراق ثمناً لذاك الاتفاق الذي لم يكن طرفاً به بسبب خلافه المستديم مع سوريا.  

ومنذ فترة الخمسينات من القرن الماضي توجهت أنظار دول الجوار العربي ( الكويت تحديداً) للحصول على المياه الفائضة عن حاجة العراق والتي كانت تصب في شط العرب دون الاستفادة منها، وحتى بعد انخفاض إيراد المياه إلى العراق لم تتراجع تلك التوجهات للحصول على المياه من العراق كما هو الحال مع الأردن.

سنناقش تلك التوجهات العربية ( الكويت والأردن) للحصول على المياه من العراق، وهل يمكن أن تتحقق في عراق المستقبل؟ وهل توجد مياه كافية للعراق كي يتبرع بها إلى الكويت والأردن؟ وهل يمكن اعتماد المياه العراقية كأداة ترغيب ( ومبادرة حُسن نية) في إسقاط ديون العراق وتعويضات حرب الخليج الثانية خاصة مع الكويت؟!. للإجابة على تلك الأسئلة يتطلب الأمر عرضاً لتلك المشاريع ومن ثم الخوض في الإجابات ( الإمكانات) المتوفرة في استخدام ( سلاح المياه) لتحقيق مصالح العراق العليا في المستقبل خاصة أن تزويد الأردن بالمياه له علاقة كبيرة بتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي كما سنرى لاحقاً.

أولاً: مشروع نقل المياه من العراق إلى الكويت

أول دراسة لمشروع نقل المياه إلى الكويت قامت بها شركة بريطانية عام 1953، وفي مطلع السبعينيات باشرت شركة سويدية بإعادة دراسة المشروع ثم تبعتها شركة فرنسية في مطلع الثمانينيات، ومن خلال الدراسة خُطط لنقل ما قدره 6165 م3 من المياه يومياً منها 1850م3 من مياه شط العرب و 4315 م3 من مياه  نهر دجلة.

 وقد وقعت الكويت في آذار 1989 اتفاقية مع العراق لنقل المياه من جنوبي العراق تصل بين ( 550- 1200) مليون جالون في اليوم أي ما يعادل 2.5 مليون م3 يومياً كمرحلة أولى، وفي المرحلة الثانية تصل إلى 700 مليون جالون يومياً لمياه الشرب و 500 مليون جالون يومياً للري. وتقدر كلفة المشروع 1.5 مليار دولار ومدة التنفيذ تستغرق 10 سنوات، ولكن المشروع جمد في حينه بسبب الحرب العراقية-الإيرانية ومن ثم حرب الخليج الثانية، إضافة إلى الابتزاز الذي مارسته حكومة العراق وذلك حين طالبت بإغلاق محطات تحلية المياه في الكويت.

وتأسيساً على ذلك، نجد أن الكويت أبدت رغبتها في مرات عديدة للحصول على المياه الفائضة عن حاجة العراق والتي كانت تذهب هدراً لشط العرب ومن ثم إلى الخليج العربي وكانت البواخر الكويتية في الثمانينيات من القرن الماضي تقوم بملء خزاناتها من المياه من مدينة القرنة أو من عمق نهري دجلة والفرات في العراق لنقلها إلى الكويت ومعالجتها لاستخدامها كمياه شرب بديلاً عن مياه التحلية ذات الكلفة العالية. وتحملت الكويت أعباء مالية لتمويل دراسات قامت بها شركات عالمية لإمكانية تحقيق المشروع لكن حكومة ( البعث التي تجاهر بالقومية) في العراق كانت تمارس سياسة الابتزاز ضد الكويت.

وعليه، فإن الأمر يثير العديد من التساؤلات القانونية منها: هل يحق للعراق تزويد الكويت بالمياه وفقاً للقانون الدولي الخاص بالأنهار غير الملاحية؟

وفقاً لمقررات هلسنكي لعام 1966 والاتفاقية الإطارية للأنهار غير الملاحية للعام 1997 يتطلب الأمر موافقة دول الحوض الأخرى ( تركيا؛ وسوريا) في حال نقل المياه من نهر الفرات. ويتطلب موافقة دول حوض دجلة (إيران؛ تركيا؛ سوريا) في حال نقل المياه من نهر دجلة، وفي حال تم نقل المياه من شط العرب أو بالقرب من مصب نهري دجلة والفرات فإن الأمر  يعني العراق لوحده!!. لكن القانون الدولي ينص على: أن الدول التي تستثمر مياه نهر ما لمدة سنة دون اعتراض دول الحوض الأخرى تعتبر إحدى أعضاء دول الحوض. وهذا يمكن أن تعترض عليه كل من تركيا و (أو ربما) سوريا.

لو ناقشنا الاقتراح المتعلق باستثمار المياه من مصب النهرين أي أن الأمر يتعلق بالعراق تحديداً!!. وهذا الافتراض ( المشروع) يمكن الأخذ به في حال وجود مياه فائضة عن حاجة العراق أو مياه ( مفترضة الجريان) لغرض الملاحة في شط العرب أو لصد المياه المالحة التي يمكن لها أن تخترق مجاري الأنهار أو الأراضي الزراعية القريبة من الشواطئ.

اعتقد أن المشروع سيكون بادرة لفتح صفحة جديدة من العلاقات مع الكويت، ومطالبة عراقية مشروعة لإسقاط استحقاقات حرب الخليج الثانية والديون الكويتية عن العراق. وكذلك ستغسل تلك المياه ( الدماء) التي شكلت الحدود الدولية والنفسية بين الدولتين!!.     

 ثانياً: مشروع نقل المياه من العراق إلى الأردن

طرحته شركة Sir Hamilton Gibb Company ويقضي الاقتراح بمد أنبوب بين نهر الفرات في العراق والعاصمة الأردنية عمان. وربما تكون الفكرة الأصلية قد استندت إلى واقع وجود خط أنابيب لنقل النفط ( لشركة التابلاين). يمكن استخدامه لنقل المياه من نهر الفرات عبر الأراضي العراقية وشمال الأردن، فتدفق المياه عبر خط أنابيب النفط لتصل إلى واحة الزرقا ومنها يجري ضخه في شبكة المياه الموجودة إلى إربد وعمان.

اعتقد إن استخدام أنبوب النفط ( فكرة مبالغ بها) كون الأنبوب لم يستخدم منذ سنوات عديدة. لذا، من المتوقع أن تكون قسماً كبيراً من أجزاءه تالف وبحاجة إلى إصلاح وكلفة الإصلاح ستفوق كلفة مد أنابيب جديدة. يضاف إلى ذلك أن العمر الافتراضي للأنابيب ( بشكل عام) لا تزيد على 50 عام، وعليه فإن تلك الأنابيب قد تجاوزت العمر الافتراضي لها خاصة أنها خارجة من حيز الاستخدام وبالتالي الصيانة الدورية المفترضة لها معدومة.

وبحث الجانب الأردني في مطلع الثمانينيات مع العراق إمكانية مد أنبوب من نهر الفرات إلى الهضبة الشمالية للأردن بطول 650 كم وقطر 1.75 م. ولكن الشكوك أحاطت بالجدوى الاقتصادية للمشروع وإمكانية تمويله نتيجة طول المسافة ، ووعورة التضاريس، وارتفاع التكاليف، إذ قدرت تكاليف المشروع بين ( 1-1.8) مليار دولار أمريكي. وذلك لنقل بين ( 160- 240 ) مليون م3 سنويا، أن كلفة نقل المتر المكعب الواحد من مياه الفرات إلى الأردن تقدر بنصف دولار في الخط الشرقي وبنحو دولار واحد في الخط الغربي.

وفي منتصف أكتوبر من عام 1998 زار بغداد مجموعة من خبراء المياه الأردنيين لإعادة بحث مشروع نقل المياه من الفرات إلى الأردن.

بما يتعلق الأمر بتزويد الأردن بالمياه من العراق، له إشكاليات عديدة منها: لا توجد مياه عراقية كافية لتزويد الأردن بالمياه؛ ويتطلب الأمر موافقة كل من تركيا وسوريا باعتبارهما إحدى دول حوض الفرات، هذا من جانب إما الجانب الأخر فأن مشروع نقل المياه من العراق إلى الأردن يدخل ضمن ترتيبات النظام الشرق أوسطي الجديد. بمعنى أخر المشروع له صلة وثيقة بعملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط.

 كيف يمكن للمشروع أن يتحقق وما صلته في النظام الشرق أوسطي الجديد وبالتالي بالصراع العربي- الإسرائيلي؟!.

من المعلوم أن إحدى من أهم المعظلات التي تواجه العملية السلمية بين العرب وإسرائيل وتحديداً في مسار المتعطل على الجبهة ( السورية- اللبنانية) وأيضاً ما آلت إليه الأمور على الساحة الفلسطينية هي معظلة تقاسم المياه ( الصراع على بحيرة طبريا؛ ومياه الليطاني والحاصباني؛ ومياه الخط الأخضر في الضفة الغربية).

 الأردن الذي يشترك مع سوريا وإسرائيل بحوضين مائيين هما: حوض الأردن وحوض اليرموك يعاني من أزمة بموارده المائية وتتجاذبه صراعات المياه بين السوريين والإسرائيليين حول مياه نهري الأردن واليرموك.

والمشاريع المائية المطروحة للخروج من هذا النفق عديدة منها: أنابيب السلام الذي طرحته تركيا في العام 1987؛ والمشروع السوري للحصول على تعويضات مائية من الفرات مقابل مناقشة إعادة توزيع حصص المياه في نهر اليرموك وكذلك الحال مع مياه نهر الأردن.

إما المشروع الأردني لنقل المياه من العراق، فقد طرح كبديل عن تلك المشاريع السابقة الذكر وذلك لحل مشكلة المياه في الأردن بعيداً عن سوريا أو ( لربما) لإسقاط الورقة المائية السورية من التسوية!! أو لربما يكون للمشروع الأردني ذات صلة بتزويد إسرائيل مستقبلاً بالمياه من نهر الفرات كبديل عن المشاريع التي تعيقها سوريا خاصة أن تركيا أبدت استعداها بيع المياه إلى لإسرائيل.

والخريطة المائية الشرق أوسطية الجديدة كما تطرحها التصورات الأمريكية، يجب أن تنهل من بنك للمياه يتم تأسيسه في الشرق الأوسط واعتبار الأحواض المائية في الشرق الأوسط أحواضاً مشتركة. وستكون تركيا مركز البنك المائي الجديد عبر خزاناتها المائية الجديدة.

إذاً، في حال قيام تسوية عادلة بين العرب وإسرائيل على جميع المسارات ستأخذ تلك المشاريع المائية طريقها إلى التنفيذ.

وعليه، ما هو دور العراق في النظام الشرق أوسطي الجديد؟ وما هي المكاسب التي يجب أن يحققها مقابل الخوض في تلك المشاريع؟.

في العراق القادم، يجب يكون لكل دور عراقي في المنطقة ثمناً يتقاضها. بمعنى آخر، يجب على الحكومة القادمة في العراق أن (تحلب) دول المنطقة وأن تطالب بثمن لكل موقف يتطلب وجودها به!!.

فالمشروع الأردني للحصول على المياه من العراق عبر تعويضات مائية يمكن أن تطلقها تركيا عبر الفرات ممكن، لكن الثمن الذي يجب تدفعه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ومن يعنيهم ( الشرق الأوسط الجديد) هو إسقاط جميع ديون العراق في العالم؛ وإلغاء مستحقات حرب الخليج الثانية عن العراق؛ وتكوين صندوق مالي عالمي لإعادة تعمير العراق.  

وأخيراً، يجب عدم إغفال دور  العراق القادم في النظام الشرق أوسطي الجديد. ومسؤولية الحكومة القادمة استثمار الدور الجديد وفرض اشتراطات للدخول فيه، وتلك الاشتراطات منوطة بتحرير العراق من القيود الحالية. وإن الثمن الذي دفعه شعب العراق منذ عقود وحتى الآن، مطالب العالم اليوم تسديده للشعب العراقي وهذه المهمة منوطة بحكومة وطنية تضع نصب أعينها مصالح العراق العليا.