المشاريع الإسرائيلية لربط البحار دعائم للسلام

 

المنطق الصهيوني في التعامل مع حدود إسرائيل الكبرى لم يكن وليد نشوء هذه الدولة بل هو جملة من الاقتراحات والمشاريع ساهم بها العديد من يهود العالم لغرض تحقيق (حُلم توراتي) مزعوم يجمع يهود العالم في فلسطين لتكوين كيان قومي تحكمه تعاليم توراتية- صهيونية تسعى للسيطرة على مقدرات الشعوب الأخرى وتسخيرها لتحقيق الحُلم المنشود بكل الوسائل الممكنة. ولكن الأحلام الصهيونية التي لم تحققها " دولة إسرائيل" بالوسائل الحربية على مدى نصف قرن، قد تسعى في النصف القرن القادم لتحقيقها بالوسائل السلمية عبر اتفاقيات السلام ولكن يبقى السؤال مطروح هل هذه المشاريع في المرحلة القادمة ستحقق المصالح الإسرائيلية فقط أم ستكون مشاريع مُعدلة تحقق مصالح دول الجوار أيضاً؟

ومن مشاريع المياه الكبرى التي تسعى إسرائيل لتنفيذها هو مشروع ربط البحر المتوسط بالبحر الميت أو مشروع ربط البحر الأحمر بالبحر الميت.

نبذة تاريخية عن الحُلم الإسرائيلي لربط المتوسط بالميت:

تعود فكرة ربط البحر المتوسط بالبحر الميت إلى المهندس اليهودي السويدي ((ماكس بوكارت)) عام 1899 وتتمثل الفكرة باستغلال فرق المنسوب ما بين البحرين والمقدر بحدود 400 متر لغرض إنشاء محطات كهرومائية، وقد عُرضت الفكرة على قادة الحركة الصهيونية وتبناها ((هرتزل)) عام 1903 وبدأت الاتصالات بالحكومة الأمريكية لغرض دراسة جدواها وعليه أوفدت وزارة الزراعة الأمريكية عام 1937 خبيرها بالري ((روزماي)) خلال الاحتلال البريطاني لفلسطين لغرض دراسة الفكرة وحينها أوصى الخبير بتقريره المقدم للوكالة اليهودية إلى إمكانية تنفيذ الفكرة عبر شق قناة بين البحرين.

أن فكرة شق القناة بين البحرين ذات شقين عسكري واقتصادي، فالشق العسكري يمنح إسرائيل حماية طبيعية بوجود فاصل مائي حدودي بينها وبين الدول العربية كما هو الحال في قناة السويس، أما الشق الاقتصادي فيسعى إلى إنشاء محطات كهرومائية ومنشآت سياحية.

 وقد زادت أهمية تنفيذ المشروع إسرائياً بعد حرب تشرين 1973 نتيجة اجتياز الجيوش العربية للدفاعات الإسرائيلية، وفي عام 1977 تألفت لجنة بريطانية- إسرائيلية للشروع بدراسة المقترحات الجديدة التي أفرزتها حرب تشرين لغرض بتنفيذ الفكرة وأسندت رئاسة اللجنة إلى عالم الذرة الإسرائيلي ((بوقان نوتمان)) والذي وضع ولجنته خمسة مقترحات لشق القناة بين البحرين، ولكن اقتراحات اللجنة لم تأخذ طريقها إلى التنفيذ في ظل حكومة  ((إسحاق رابيين)) وفي نفس العام تبنت حكومة ((مناحيم بيغن)) التي فازت بالانتخابات المشروع وأقرته وتم تحديد مسار القناة عام 1980 ( من القطيف في النقب الشمالي وجنوباً إلى بلدة بئر السبع حتى البحر الميت عند بلدة عين بوكاك) وأسند تنفيذ المشروع إلى البروفيسور ((يؤال نئمان)) الوزير السابق للتطوير العلمي وتم تدشين المشروع في 28/ 8/ 1981 في احتفال جرى فوق جبال  مائير، ولكن في عام 1984 اضطرت الحكومة الإسرائيلية لتجميد المشروع بسبب ارتفاع تكاليفه وعدم الحصول على مساعدات وهبات مالية كافية.

أهم اقتراحات لجنة ((بوقان نوتمان)) لربط البحرين:

تسعى اللجنة إلى استغلال فرق المنسوب ما بين البحرين لغرض إنشاء محطة كهرومائية بقدرة تتراوح ما بين 600- 700 ميغا وات وإنتاج طاقة قدرها 1,1 مليار كيلو وات ساعي سنوياً- مساحة البحر الميت 105 كم2 وطوله 15 كم وعرضه 76 كم وأقصى عمق له 392 متر- وتبلغ قدرة الاستيعاب والتبخير السنوية للبحر الميت بحدود مليار متر مكعب، ووفق المعطيات ومحصلة النتائج وضعت الاقتراحات التالية:

1- مشروع ( حيفا- وادي الأردن) وذلك عبر شق قناة من خليج حيفا عبر سهل مرج بن عامر وحتى سهول بيسان بمحاذاة نهر الأردن إلى البحر الميت، ولم يأخذ به لخطورة تملح مياه نهر الأردن.

2- مشروع ( أشدود- البحر الميت) وذلك القيام بحفر قناة من ضياء أشدود في الشمال مرواً بالسهل الساحلي ثم يجتاز جبال الخليل جنوب مدينة القدس عبر نفق حتى يصل إلى منطقة قمران جنوب مدينة القدس، وقد صرف النظر عن هذا المقترح بسبب الصعوبات الفنية والجيولوجية.

3- مشروع ( قطيف- مساده) وذلك عبر شق قناة من القطيف شمالاً إلى بلدة عين بوكاك جنوبا وتم الأخذ بالمشروع، حيثُ يتم نصب جهاز داخلي عائم على سطح البحر في أسفل الجوف المتعرج في تل القطيف لحجب أمواج البحر وتركيب مضخات كبيرة ذات طاقة ضخ قدرها 50 متر مكعب في الثانية من البحر عبر أنبوب ضغط طوله 7 كيلو مترات وترفع المياه بواسطة مضخات خاصة إلى علو 100 متر فوق سطح البحر لتصب في قناة نهاية بحيرة جالون الاصطناعية وتذهب المياه من البحيرة عبر نفق بعمق 40 متر وطول 86 متر وقطر 5 أمتار وتصب في خزانيين لتجميع المياه في منطقة المساده على مرتفعات تطل على البحر الميت وتتساقط المياه من ارتفاع 400 متر عبر أنبوب ضغط لتشغيل توربينات محطة كهرومائية ستنشأ في أسفل الخزانيين لتوليد الطاقة الكهربائية ومنه إلى البحر الميت وتبلغ حجم المياه التي ستضخ ما بين 1- 1,5 مليار متر مكعب سنوياً من البحر المتوسط إلى البحر الميت لفترة تعبئة تقدر ب 15 عاماً ثم تليها فترة ثبات إلى أقل من 0,5 مليار متر مكعب سنويا.

تكاليف المشروع الإسرائيلي:

تقدر تكاليف المشروع ما بين 800- 1500 مليون دولار مضافاً إليها 140 مليون دولار تكاليف دراسة المشروع الذي وظفتها إسرائيل ما بين 1979- 1980 ونفقات التخطيط التي تصل إلى حدود 70 مليون دولار أي ما يقارب 10% من تكاليف المشروع.

 وقد عولت الحكومة الإسرائيلية على تمويل المشروع من حكومات ألمانيا والنمسا والنروج وكذلك من الهبات اليهودية العالمية وأصحاب رؤوس الأموال اليهود من أمثال ((جاك كمين كيز)) من القارة الأمريكية و(( صموئيل بلتسبرغ)) صاحب أكبر البنوك الأمريكية ( بنك فيرستي ترست) و ((صول كاني)) رئيس بنك كندا.

المشروع الأردني لربط البحر الأحمر بالبحر الميت:

يقوم على أساس شق قناة ما بين البحر الأحمر والبحر الميت ويضخ ما يقارب مليار متر مكعب سنويا من مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت بالقرب من خليج العقبة إلى ارتفاع 220 متر على مرحلتين من الضخ وتنقل هذه الكمية من المياه إلى سفوح "جبال أدوم"  عبر أنابيب تمتد لمسافة أكثر 220 كم ثم من تلك السفوح يتم إسقاطها في البحر الميت، حيثُ يتم بناء أربع محطات كهرومائية لإنتاج الطاقة الكهربائية وتعتبر نفقات المشروع الأردني أخفض بمقدار 500- 600 مليون دولار عن المشروع الإسرائيلي وتعتقد إسرائيل بأن الأردن لا يمكنه تنفيذ المشروع بمفردها بسبب:

   ·   أن البحر الميت هو ملك" لإسرائيل والأردن" ولا يمكن للأردن تجاهل حقوق الدولة الأخرى لأنه مناف للمنطق والقانون الدولي ( عندما باشرت إسرائيل بمشروعها أوائل الثمانينيات لم تأخذ بنظر الاعتبار حقوق الأردن وفق القانون الدولي الذي تدعيه).

   ·   أن الأردن لا يمكنه تنفيذ المشروع بمفرده لأن إسرائيل الأقوى منه لن تسمح له بذلك (لاحظ منطق التهديد والوعيد وتباكيها في الفقرة السابقة على القانون الدولي).

   ·   لا تستطيع الأردن لأسباب اقتصادية الانفراد بالمشروع ولا يمكنها الحصول على تمويل دولي دون موافقة إسرائيل( في حين حصلت إسرائيل على تمويل دولي من ألمانيا والنمسا والنروج دون الحصول على موافقة الأردن وهذا يخالف مزاعم إسرائيل التي تدعي تمسكها بالقانون الدولي وفق الفقرة الأولى).

في الفترة الأخيرة وبعد فشل إسرائيل في تنفيذ مشروعها لأسباب اقتصادية دعت إلى إجراء تعديل على مشروعها السابق ليشمل الجمع ما بين المشروع الأردني والمشروع الإسرائيلي أو ما أطلق عليه " المشروع المعّدل أو المشروع الإقليمي" ولاشك فإن المشروع المعدل يصب في الطاحونة الإسرائيلية ويأخذ مصالحها الذاتية بنظر الاعتبار بعد أن فشلت في الحصول على الدعم المالي الدولي اللازم وتعتقد بمشروعها المعدل في حالة موافقة الأردن عليه وإحلال السلام  سيحظى بدعم مالي دولي لغرض زيادة دعائم السلام وبذلك فأن جنيها لنتائج السلام سيكون أكبراً.

فكرة المشروع الإقليمي( المعدل):

تستند إلى شق قناة في الجزء الجنوبي من حوض عربة ( الجهة الشرقية من الأردن) أما الجزء الشمالي من حوض عربة فهو( الجهة الإسرائيلية) حيثُ تنقل المياه عبر قناة من البحر الأحمر إلى الجنوب من خليج العقبة وتضخ بطاقة 75 متر مكعب في الثانية في فترة التعبئة عبر أنبوب ضغط إلى بركة على ارتفاع 225 متر وبسعة 1.5 مليون متر مكعب وتعمل المحطة 16 ساعة يوميا خارج حدود الذروة وتتدفق المياه من البركة في قناة مفتوحة ( القناة العليا) على امتداد 160 كم وطاقة 50 متراً مكعباً في الثانية في فترة التعبئة.

 وعلى بُعد 80 كم تتجاوز القناة أعلى نقطة في عربة على ارتفاع 210 متر ( لمسافة قصيرة داخل حدود إسرائيل) وعلى بُعد 150 كم تقام بركة لتنظيم تدفق المياه سعتها 3 ملايين متر مكعب وعلى ارتفاع 208 متر في الأسفل تقام محطة للطاقة ( المحطة الأردنية) بقدرة 400 ميغا وات مع بركة بالسعة ذاتها وتنقل المياه إلى القناة ( القناة السفلى) عبر ناقل إلى مسافة 60 كم من ارتفاع 1000 متر إلى ارتفاع أقل قدره 112 متر ومن حدود الأردن إلى حدود إسرائيل وتمر في مقطع واحد عبر نفق طوله 4 كيلو مترات حتى منطقة معاليه- عربة- سدوم، حيثُ تقام محطة إسرائيلية ذات قدرة 400 ميغا وات وتقام فوق المحطة بركة تخزين سعتها 3 ملايين متر مكعب وعلى ارتفاع 112 متر وفي أسفلها القناة النهائية حيثُ يكون ارتفاع المياه فيها بارتفاع مستوى المياه في البحر الميت.

 أهم ميزات المشروع الإقليمي:

  1.  ستكون طاقة المشروع في فترة التعبئة ( أعوام التشغيل الخمسة عشر السنة الأولى) 500 مليون متر مكعب سنوياً.

  2.  ترفع طاقة المشروع بالضخ ويجري ذلك خارج ساعات الذروة لاستهلاك الكهرباء وخلال 16 ساعة يومياً فقط ويتم التوازن ما بين هذه الطاقة وطاقة القناة الأساسية ( 24 ساعة يومياً) عن طريق برك التخزين.

  3.  يجري توليد الكهرباء خلال ساعات الذروة الثماني يوميا وتخزين مياه القناة التي تصل خلال الساعات الست عشرة الأخرى يومياً في برك تتولى تغذية محطة الطاقة.

  4.  ستكون القدرة الكهربائية المنتجة بحدود 800 ميغا وات.

  5.  يجري بناء المشروع ضمن هدف الفصل ما بين محطة الطاقة الأردنية ومحطة الطاقة الإسرائيلية.

أهداف المشروع الإقليمي:

  1.  تطوير منطقة عربة في الجانب الإسرائيلي.

  2.  تمويل المشروع دوليا ( خاصة المنح المالية) مما يحقق رغبة إسرائيل في تنفيذ خططها دون معوقات مالية.

  3.  إقامة بحيرات اصطناعية لأهداف سياحية مما يزيد من دخل إسرائيل السياحي.

  4.  تدفق مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت سيتيح المجال لإقامة برك شمسية على نطاق واسع تستخدم كمصدر للطاقة وتحلية المياه وقد تساعد إسرائيل في حل أزمتها المائية.

  5.  استخدام أجزاء من مجرى القناة المائية كحاجز طبيعي يعد ذو أهمية عسكرية.

  6.  إنتاج الطاقة الكهربائية لتأمين حاجة دول المنطقة وبأسعار مناسبة لاستيفاء تكاليف المشروع.

  7.  إقامة مستوطنات قادرة على استيعاب المهاجرين اليهود الجدد وتوفير فرص العمل لهم من خلال المشروع.

  8.  رفع مستوى المياه في البحر الميت بعد أن انخفض مستوى المياه بحدود 8 أمتار خلال العشرين سنة الماضية بسبب ارتفاع مستوى التبخر فيه إضافة إلى انخفاض كمية المياه المتدفقة من نهر الأردن بسبب الاستخدامات الزراعية والصناعية.

أهم الآثار السلبية للمشروع الإقليمي:

   ·   الإضرار بالمناطق الزراعية في الضفة الغربية وفي منطقة غور الأردن.

   ·   الإضرار بمنشآت البوتاس الأردنية.

   ·   خطورة تسرب المياه المالحة إلى الينابيع العذبة الجوفية خاصةً أن الأردن يعاني من نقص المياه.

   ·   الأقنية المائية للمشروع تمر قسمها الأكبر في الأراضي الأردنية وبعيداً عن ميناء إيلات الإسرائيلي في حين المشروع الأردني يمر بالقرب من الميناء المذكور.

   ·   أن اختلاف نسبة الملوحة بين البحرين ( نسبة الملوحة في البحر الميت تقدر ب 8 مرات بقدر نسبة الملوحة في البحر المتوسط وما يقاربه في البحر الأحمر) سيؤدي إلى ترسب الجبس نتيجة اختلاف نوعية التركيب الأيوني في مياه البحرين.

   ·   أن نقل كميات كبيرة من مياه البحر الأحمر سيؤثر بلا شك على التيارات المائية البحرية والتي بدورها ستؤثر على الموانئ البحرية للدول المجاورة وكذلك على صيد الأسماك وغيرها.

   ·   الأضرار البيئية التي قد تحدث والتي لا يمكن التنبوء بها نتيجة إحداث تغيرات في التوازن الطبيعي للكرة الأرضية. 

المصادر المعتمدة:

1- إليشع كَالي ((المياه والسلام وجهة نظر إسرائيلية)) مؤسسة الدراسات الفلسطينية- بيروت- 1991.

2- جورج المصري ((الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية)) مركز الدراسات العربي- الأوروبي، 1996.

3- الأرقم الزعبي ((الغزو اليهودي للمياه العربية)) دار النفائس 1992.