المياه العابرة للحدود

و

تركيا

(مجموعة ألأوراق و البحوث الملقاة في الندوة الخاصة بالموقف التركي من قضايا الماء في الشرق ألأوسط و العالم)

تحرير

محمد كاربوزكو و ميرت د. غول و سينيم بايار

 

ترجمة

أحمد خالص الشعلان

مترجم خبير

 

مراجعة فنية

إكرام قاسم ناصر

خبير موارد مائية وبيئة

 

 

 

 

المحتويات

اللجنة المنظمة

 اللجنة العلمية

خطابات الافتتاح

أصحاب البحوث المدعوة

توطئة

البعد الدولي للمجاري المائية العابرة للحدود

                                                 ي. ياكس ...................... 13

المجاري المائية العابرة للحدود التركية وحوض الفرات - دجلة

                                                 يو. أوزس و ي. أوزديمير ....21

 نموذج هيدرولوجي – مناخي لمستجمع مياه دجلة – الفرات لغرض دراسة الموازنات المائية

 

                          م. ل. كافاس و ز. ك. شين و م. ل. آندرسون

                                    و ن. أوهارا و جي. ي. يون   ...........61

نهرا الفرات ودجلة و الارادة التركية

                                                  س. أوغوس ................. 79

المياه العابرة للحدود في تركيا وماحولها :

     التطور التاريخي، بعدها القانوني، و الحلول المقترحة

                                         س. زيهير و م.ي. بربينار ............99

 الأطار الموجه للمياه عند الاتحاد ألأوروبي، والأنهار العابرة للحدود وتركيا

                                               آي. كايا  .............................  125

 قضايا المياه و سياسات السيطرة والنفوذ

                                           آي. كابان ..........................   139

اللجنة المنظمة

بروفيسور أحمد سانسنلو (جامعة اسطنبول التقنية)

بروفيسور حسن توسان (جامعة ايسكسيهير أوسمنغازي)

بروفيسور محمد كاربوزكو (معهد غيبز للتكنولوجيا)

دوك اسماعيل كوينكو (جامعة اسطنبول التقنية)

د. سينم بايار (معهد غيبز للتكنولوجيا)

 غيونيت غيريك / مهندس مدني اقدم (دائرة الدولة لأعمال الماء)

سيلامي أوغوز/ مهندس مدني اقدم (بلدية مدينة اسطنبول)

 

 

 

 

 

 

 

 

اللجنة العلمية

بروفسور د. الينور بوكوكاسوي (معهد غيبز للتكنولوجيا)

بروفسور آيسغول تانيك (جامعة اسطنبول التقنية)

بروفسور بلسين بلير باياكال (جامعة اسطنبول التقنية)

بروفسور آلتر توران (جامعة بيلجي)

بروفسور نجدت آلباسالان ( جامعة دوغوز أيلول)

بروفسور أورهان شاهين (معهد غيبز للتكنولوجيا)

بروفسور أ أونال شورمان (جامعة الشرق ألأوسط التقنية)

دوك جمال زهير (معهد غيبز للتكنولوجيا)

دوك د. جانكيز توكلو (جامعة يديتيب)

دوك إوليدا انجين (معهد غيبز للتكنولوجيا)

دوك د. غون كوت (جامعة بوغازشي)

دوك ابراهيم كايا (جامعة شاناكل 18 آذار)

 

 

 

 

خطابات الافتتاح

بروفيسور محمد كاربوزكو

معهد غيبز للتكنولوجيا/ قسم الهندسة البيئية

بروفيسور أوكتاي تاباساران

الأمين العام للمنتدى العالمي الخامس للمياه

بروفيسور حسن زهوري ساريكايا

وكيل الوزير في وزارة البيئة و الغابات

بروفيسور ألتون بيليك

جامعة الشرق أوسط التقنية/ قسم الهندسة المدنية

بروفيسور حسين بازارسي

عضو البرلمان لمنطقة بالكسير/ خبير بالقانون الدولي

 

 

 

أصحاب البحوث المدعوة

ياشار ياكيش

عضو البرلمان لمنطقة دوزيس/ رئيس لجنة الاتحاد ألأوروبي في البرلمان التركي

بروفيسور يونال أوزيش

جامعة دوكوز أيلول/ كلية الهندسة/ قسم الهندسة المدنية

بروفيسور مصطفى ليفينت كافاس

جامعة كاليفورنيا/ قسم الهندسة البيئية و المدنية

د. اسماعيل كابان

صحيفة تركيا

سلامي أوغوز- مهندي مدني أقدم

لجنة التسيق و التقييم في مشروع بلدية اسطنبول

بروفيسور مساعد جمال زهير

معهد غيبز للتكنولوجيا/ كلية ادارة ألأعمال

بروفيسور مساعد ابراهيم كايا

جامعة شاناكيل أونسكيز مارت

 

 

تــــوطـــئـــة

الماء، بوصفه المادة ألأكثر أهمية للجنس البشري منذ أول وجود له على الأرض. يستمر في المحافظة على أهميته، و ليس ثمة شئ لا يمكن الاستغناء عنه مثل الماء، و ذلك لحاجتنا إليه للحفاظ على الحياة فوق وجه ألأرض.

          و للماء دور مهم أيضا في التنمية الاجتماعية-اقتصادية للأمم. لذا، فانه من الأهمية البالغة استعمال الماء بفعالية دون هدر، وتطوير الموارد المائية على النحو المطلوب، وبالطريقة التي يجري بها تطوير ألأمم. و من المؤسف إن ما يجري من قبيل، النمو المتزايد للسكان في العالم،  والاضطراب الحاصل في التوازن البيئي الناجم عن التلوث البيئي، والتغيرات الحاصلة في كميات سقوط المطر، والشحة  في تدفق المياه في الأنهار نتيجة للتغيرات الحاصلة في مناخ العالم، يدفع بزيادة الطلب على الماء. إن هذا الوضع، في الواقع، يشكل تهديدا للمناطق الجافة    و شبه الجافة في العالم .

وقد تجري المياه السطحية و الجوفية، على حد سواء، عبر الحدود الرسمية لعدد من البلدان، وهي بذلك تتبع مجاريها الطبيعية قبل أن تصل إلى غايتها النهائية.  و نتيجة لهذا،  فان مناطق مستجمعات المياه watersheds، أو محصلات المياه  catchments  في أحواض ألأنهار قد تهم أمورها أكثر من بلد. و ثمة اليوم 236 من مناطق مستجمعات المياه تنتشر في جميع أنحاء العالم، ويتشارك بها بلدان أو أكثر، ويشار إليها في المراجع بكونها " مياه عابرة للحدود trans-boundary waters ". ومثال عن النهر الذي يتميز بأكبر عدد من البلدان المتشاركة في مياهه هو نهر الدانوب الذي يجتمع على حوضه 17 بلدا متشاطئا. ومناطق مستجمعات المياه الـ 236 هذه، والمياه العابرة للحدود التي فيها، تخدم حوالي 50 % من سكان العالم الذين يسكنون في أراض تشكل حوالي 50% من مساحة العالم الكلية. أما المياه الجوفية  (المكامن المائية aquifers) العابرة للحدود، فليست مذكورة ضمن هذه ألأرقام. من هنا، فان احتمالات نشوب صراعات دولية، حول المياه العابرة للحدود، كبيرة جدا. و لأجل تحجيم مثل هذه الصراعات،  سيكون من الضروري بالنسبة للبلدان المتشاركة بالمياه العابرة للحدود أن تتعاون فيما بينها باتجاه تطوير مشاريع جماعية لإدارة مشتركة للموارد المائية،  وللتعرف على الاحتياجات الحقيقية من المياه المتجمعة في مناطق سقوط ألأمطار، ومن أجل استعمال أمثل للمياه.

          و كان سكان العالم، خلال القرن الماضي،  قد صاروا ثلاثة أضعاف،  في حين ازدادت احتياجات الناس من المياه إلى سبعة أضعاف في كل أنحاء العالم،  وجرى توسيع الأراضي المروية لتكون ستة أضعاف مساحتها، في حين حصل لموارد المياه المتاحة للاستعمال ما هو عكس هذا، إذ تقلصت بمقدار كبير، نتيجة للتلوث المتزايد في الموارد المائية. و بذا، فان الاتجاه نحو طلب المياه المتاحة للاستعمال يتزايد باستمرار. إن استعمال المياه لأغراض متنوعة،        وبصفته العابرة للحدود، إلى جانب التقلبات الإقليمية الموسمية في تجهيزات المياه المتاحة،   جميعا هي التي أوجدت هذا الشد الحاصل بين المستفيدين من موارد المياه هذه، ناهيك عن التغير الحاصل في مناخ العالم الذي هو ألآخر جعل من هذه المشكلة مدعاة اضطراب عند الكثيرين.

          و تتمثل الأسباب الرئيسة للصراعات المتزايدة  فيما يلي: سحب  المياه الجوفية، تلوث المياه، بناء السدود، اجراءت أخرى لخزن المياه، القرارات المرتبطة بالفيضان، و الانحرافات التي يجري تنفيذها في مكامن المياه. ومع ذلك، فهذه ليست هي الأسباب الوحيدة للنزاعات. إذ إن تزايد السكان، تناقص كميات المياه المتاحة، اختلاف وجهة نظر السلطات، التواكل  السياسي    والاقتصادي و الثقافي، الخلافات الأيديولوجية، والبنى السياسية للبلدان، جميعا هي التي تقوم بدور كبير في تضخيم الشد الحاصل بين المستفيدين من المياه.

          و كانت النزاعات المرتبطة بالمياه قد أثارتها عوامل عديدة تتطلب الإجابة عليها من لدن الخبراء التقنيين. بخاصة علماء المائيات الذين يقدرون على القيام بدور مهم في إيجاد حل للنزاعات القائمة بين الدول المتشاركة في المياه العابرة للحدود التي تتجمع في مناطق سقوط المطر،  بان يقوموا بتحديد المقدار الحقيقي للمياه الموجودة في هذه المنطقة. و من هنا،  فان الخطوة الأولى،  باتجاه إيجاد حلول للمشكلات،  لا بد أن تبتدئ بتنمية علاقات طيبة،             وباتصالات مهنية بين علماء الماء في البلدان المتشاطئة. و بإمكان علماء الماء، ومختصين آخرين بمواضيع المياه أن يضعوا تقييما للحجم  الكلي لمنطقة مستجمع مياه الأمطار بصورة عامة، ويرسون تعاونا أيضا  في مجال تبادل المعلومات المتجمعة لديهم من البحوث الجارية     والملاحظات العلمية عن منطقة مستجمع مياه الأمطار هذه وتقييمها. بخاصة التشارك في المعلومات في مواسم الفيضان، عن المناطق التي يغمرها الماء، والمعلومات عن ظروف الجفاف، التي أصبحت جميعا عاملا حيويا في تنمية الثقة.

          إن على الدول المتشاطئة أن تولي اهتماما بالمسوحات المائية، وبالطريقة التي تشكلت بها المنطقة والمناخ، وبمصادر المياه الجوفية  والجيولوجيا المائية، و بخواص التربة،            وبالغطاء النباتي، وبطرق استعمال الأرض، وبمعدل سحب المياه الجوفية، وبوسائل التخلص من مياه الصرف الصحي،  وبالمراقبة النوعية والكمية لموارد المياه. إن التوزيع الحاصل للظروف المائية من ناحية المكان والزمان لا بد أن يجري تسجيله،  ويجري التشارك في المعلومات الناتجة منه بين البلدان المتشاطئة، من أجل فهم أعمق للتنوعات البيئية الموجودة وتثبيتها. وستساعد العمليات المشتركة التي تقوم بها أنظمة مراقبة التلوث والسيطرة عليه على التعرف على نوع التأثر البيئي، و تساهم باتخاذ الإجراءات الوقائية التي يجب تنفيذها.

          انه لواضح بان التقاء الخبراء التقنيين من البلدان المتشاطئة سوية،  من أجل إدارة المشاريع المخطط لها جماعيا،  سيساهم دون ريب في فض النزاعات، أو حلها.

و فضلا عن ذلك،  فان الحاجة إلى تقليص حجم المنازعات يتطلب وجود إدارة شفافة مشتركة للموارد المائية من لدن البلدان المتشاطئة،  وذلك  بإتباع طريقة يجري الاتفاق عليها.   وبخاصة،  ما يترتب على ذلك من دور تشاركي يقوم به علماء المياه وعلماء البيئة وعلماء الاقتصاد الاجتماعي، وجماعات أخرى من البلدان المتشاطئة في المناطق الجافة، من أجل بلورة الوسائل التي ستتبع في هذه البلدان بهذا الصدد. إن انهماك الخبراء التقنيين في دور من هذا النوع سيضمن تطبيق المبادئ العلمية في إيجاد مثل هذه الوسائل. وإن تطوير وسائل بسيطة، ولكن فاعلة، لا يعد مهما لإدارة الموارد المائية فقط، وإنما يعد مهم أيضا  في تشغيل تسهيلات الموارد المائية.

إن الكوارث الطبيعية، من نوع الفيضان، لها قدرة جمع الناس من البلدان المتشاطئة من أجل التحرك نحو حل المشكلات. ومن أجل هذا، على البلدان الواقعة في أعلى مجرى النهر،     والواقعة في أسفله، أن تكون قادرة على إيجاد صيغة تشاركيه للمعلومات التي تزودهم بها أجهزة ألإنذار المبكر، من أجل اتخاذ الاحتياطات الضرورية لحماية مصادر عيش الناس. وثمة كوارث من نوع آخر، تختلف عن الفيضان،  قد تقع و هي الجفاف. وقد يرغب الناس الساكنون في المناطق الجافة في العمل سوية مع الناس في البلدان المتشاطئة الموجودة في أعلى مجرى النهر، و ذلك لإيجاد مشاريع مشتركة، والمساهمة في تمويل كلف بناء التسهيلات، من أجل التغلب على ظروف الجفاف. ومن أجل التقليل من تأثير ظروف الجفاف،  يكون من ألأهمية بمكان إنشاء البنية التنظيمية للإدارة التي ستقوم بوضع تعريف للاستعمال ألأمثل للمياه الموجودة، ولاتخاذ الاحتياطات المسبقة الضرورية. والبلدان المتشاطئة تحتاج،  فضلا عن ذلك، أن تتعرف على ما يؤدي إلى حوادث محتملة تؤدي إلى تلوث المياه، وأن تتعرف على الأضرار المحتملة التي قد تصيب مباني السدود،  وعلى ألأعطال التي تصيب أنظمة معالجة مياه الصرف الصحي          و غيرها، مما قد ينشأ من عقابيل أثناء الكارثة الطبيعية أو بعدها. 

 و طالما كان السبب الرئيس الكامن وراء الصراعات التي لها علاقة بالمياه هو شحة المياه،  فان التدبير المسبق ألأكثر فاعلية،  الذي يجب اتخاذه، هو الحفاظ على الماء الموجود،   وذلك باستخدامه على أفضل وجه. وإذا ما أردنا أن نأخذ بنظر الاعتبار الحقيقة القائلة بأن الزراعة هي أكبر مستهلك للمياه،  فان الجهود المنصبة على الحفاظ على المياه الموجودة لا بد أن تركز على هذا القطاع. و من أجل تحقيق هذا ألأمر، لابد من إتباع تقنيات للري تتمتع بأقل قدر ممكن لهدر المياه،  ما يعني أيضا التقليل من نسبة ملوحة المياه السطحية و الجوفية على حد سواء.

و لقد أقام معهد غيبز التابع لقسم تقنيات الهندسة البيئية في 13 تشرين ألأول 2008  ورشة عمل عنوانها " المياه العابرة للحدود و تركيا ".  وكانت هذه الورشة تهدف إلى إلقاء ضوء على المشكلات المذكورة في أعلاه، وقامت بتغطية المعلومات العلمية المتوفرة،                  والتطبيقات المتنوعة المتبعة في مختلف البلدان، والحلول الممكنة لمشاكل الصراعات التي تقوم بسبب المياه العابرة للحدود، وستكون أيضا احد مواضيع المناقشات التي تدور في المنتدى العالمي الخامس للمياه 5th World Water Forum  الذي سينعقد في 16 – 22 آذار 2009  في اسطنبول. و قد دعي إليها الخبراء و التقنيون العارفون في هذا الموضوع،  من أجل تقديم عروض علمية شفوية في هذه الورشة. و كان موضوع المياه العابرة للحدود قد جرت تغطيته من مختلف الزوايا،  بما فيه الجانب الوطني، الجانب الدولي، القانوني، الاجتماعي-اقتصادي، التقني، السياسي-المائي، والأبعاد المناخية.  وكانت  ألآراء التي عرضت في تلك الورشة من ناحية ثانية، أفكار المنظمين لها حصرا.  و كانت الورشة قد انعقدت في قاعات ادارة مياه الدولة في بناية مديرية المناطق الإقليمية.  ولأجل هذا، نتقدم بالشكر إلى السيد أ. كوينت جيريك، المدير المناطقي.

عن اللجنة المنظمة

بروفسور د. محمد كاربيزكيو

                    

              

     

     

 

 

 

 

 

 

 

 

(1)

ألبعد الدولي للمجاري

المائية العابرة  للحدود

 

 

يشار ياكيش

 

 

 

 

 

 

 

 

خلاصة

ينسحب تأثير التغير المناخي  ليشمل، بهذا القدر أو ذاك، جميع بلدان العالم. و لقد أدى الجفاف الناتج من هذا الوضع، الذي اجتاح بعض المناطق، إلى بروز أهمية الالتفات إلى الاستعمال الكفء و الفاعل للموارد المائية في العالم. و مثال قريب على هذا التأثير هو أنه كان أحد أسباب ارتفاع أسعار الغذاء، و ما نجم عنها من أزمات غذائية في بعض البلدان تمثلت بتناقص إنتاج الغذاء بسبب الجفاف الحاصل. و لقد أجبرت هذه ألأوضاع تركيا على أن تضع في أعلى سلم أولوياتها موضوع الانتباه إلى مواضيع المياه التي باتت عندها تشكل أهمية عظيمة.

1 – مدخل

أود في البداية أن أعبر عن سعادتي في مخاطبة الجمهور المتميز الحاضر في هذا الاجتماع.     و إنها لفرصة مناسبة أن يجري الخبراء الحاضرين في هذا الاجتماع نقاشا عن البعد الدولي للمياه التركية. وفي هذا ما يجعلني أهنئ منظمي هذا المؤتمر على الجهود المبذولة من قبلهم.

إن تجهيزات العالم من الماء، التي تصل بمجموعها إلى 1,360,000,000 كيلومتر مكعب تتكون بالأساس من البحار والمحيطات بنسبة 97 %، ومن ماء حلو بنسبة 3 %. و من هذه الكمية ألأخيرة يستعمل 8 % فقط بوصفه ماء صالحا للشرب.  و يتحول سنويا حوالي 40,000 كيلومتر مكعب من البحر إلى اليابسة من طريق دورة المياه في الطبيعة، وتتكون من هذه الكمية  ما يسمى بالموارد المائية المتجددة في العالم. والماء المستعمل في العالم إجمالا يأتي تقريبا من موارد الماء الحلوة. إذ يستعمل حوالي 70 % من هذه المياه في الزراعة، و 22 % منها يستعمل في الصناعة،  ويستعمل 8 % المتبقية منها فقط للشرب والاحتياجات المنزلية. وبما إننا قادرون، بسبب القصور في الموارد المائية، على الانتباه إلى معدلات النمو السكاني والاستعمال غير الرشيد للموارد المائية، فان الماء سيكون، دون ريب، الموضوع الأكثر أهمية في المستقبل على الإطلاق.

و يشكل هذا الموضوع، في الواقع، مشكلة لتركيا، بسبب محدودية الموارد المائية.       و فضلا عن ذلك، وبسبب وجود واقع الموارد المائية العابرة للحدود، اكتسبت مواضيع المياه بعدا دوليا. وحين نأخذ بالحسبان الموقع الجغرافي لتركيا ولجيرانها، يصبح هذا الموضوع لدى تركيا هو ألأهم على الإطلاق. 

2 - الموارد المائية في تركيا

تقع تركيا في مكان ليس فيه من الموارد المائية سوى القليل. ففي بلدان مثل كندا          و النرويج و غيرها، التي تعد غنية بمواردها المائية،  تبلغ حصة الفرد من الماء سنويا للشرب  وللاحتياجات المنزلية من 8 إلى 10 ألاف متر مكعب. و تبلغ هذه الحصة في تركيا حوالي 1,570 متر مكعب للفرد سنويا، وقد تتناقص هذه الحصة في المستقبل، لأن تركيا تقع في ما يسمى بحزام الجفاف. إن كمية المياه التي تمتلكها تركيا تبلغ حوالي خمس ما موجود عند البلدان الغنية بالموارد المائية. و مع ذلك،  فلو قارنا تركيا مع جيرانها، فهذه الحصة هي أعلى من حصة سوريا، و أقل من حصة العراق و جورجيا. باختصار، تعد تركيا أغنى في تجهيزات المياه من بعض بلدان المنطقة،  و لكنها من ناحية أخرى تعد أفقر من آخرين.

          و حين تؤخذ بالحسبان عوامل من قبيل: نسبة توليد مجمل الطاقة الكهرومائية،          واحتياجات نمو الحواضر، والزيادة في عدد السكان،  والنمو المتصاعد في الحاجة إلى المياه في قطاع الزراعة التركية، وبوجود نمو صناعي سريع، تصبح مشكلة محدودية الموارد المائية الموجودة واحد من أكثر المواضيع أهمية.

          و تركيا هي البلد الذي ينبع فيه نهرا دجلة والفرات، اللذان يعدان، إلى جانب نهر النيل، الموارد المائية ألأكثر أهمية في الشرق ألأوسط. ولكن عدا هذين النهرين اللذين يبرزان في المقدمة، بسبب حجمهما الكبير، تركيا هي أيضا بلد المنبع لنهري كورو  Coruhوكورا Kura  اللذين يجريان في جورجيا، و لنهر آراكس Arax الذي يشكل الحدود بين تركيا وأرمينيا ولكنه يجري في أذربيجان هو و رافده نهر أرباتخاي Arpatchi ، ولنهر ساريسو Sarisu  الذي يجري في إيران، و لنهر الزاب الكبير Zab ، ولجدولي هيزل Hezil وسيمدنليSemdinli  التي تجري في العراق. وتركيا هي أيضا، من جانب آخر، بلد الحوض الأسفل لمجرى نهري ماريتسا Maritsa وتوندزا Tundzha اللذين ينبعان من بلغاريا، وهي أيضا الحوض ألأسفل لنهر آردا Arad الذي ينبع في اليونان، ونهر أورونتس Orontes الذي ينبع من سوريا.

          ثمة موضوع مهم آخر، يخص الموارد المائية التركية، لا بد من التأكيد عليه، وهو التوزيع غير المتوازن لمعدلات تساقط ألأمطار والثلوج خلال السنة، لأنه يختلف باختلاف المناطق. ففي منطقة البحر ألأسود الشرقية تقدر كميات تساقط المطر السنوية بحوالي 2500 مليمتر سنويا. في حين يهبط هذا المعدل إلى 230 مليمتر سنويا في وسط ألأناضول. وبذا ينساب تدفق الماء بطيئا في أوقات الجفاف في هذه المنطقة،  لدرجة أن بعض ألأنهار تجف تماما، في حين نرى أن بعض الأنهار في أوقات يكون فيها تساقط  المطر بمعدلات عالية، تكاد تغرق بالفيضانات. لذا، يعد موضوع تدفق الماء وجريانه في المجاري المائية هو ألآخر كبير ألأهمية  لدى تركيا.

          و ترينا الصورة التي حاولت أن أعطيها هنا كيف تأخذ السياسات التي ستتبع، بخاصة في مجال السياسات المتعلقة بإدارة متكاملة للمياه، مظاهر عديدة من وجهة النظر التركية. وأعني هنا، تركيا بوصفها بلدا منبع لبعض الأنهار، وبوصفها أيضا، من ناحية أخرى، بلدا تقع فيه أسفل أحواض بعض الأنهار. و بالاستناد إلى البلد الذي تجري المقارنة معه هنا، بلغة الموارد المائية، بإمكان تركيا أن ترتقي إلى بلد غني بالماء، أو بإمكانها أيضا أن تهبط في الوقت نفسه إلى بلد فقير بالماء. فالموارد المائية لا تتوزع بالتساوي فيها، لا مناطقيا، و لا موسميا. و بسبب هذه الخاصية، لا يمكن تصور تركيا بصورة بلد يحاول أن يحمي مصالحه مع البلدان التي تنبع منها ألأنهار ويتجاهل في الوقت نفسه مصالح البلدان التي تقع في أسفل مجرى ألأنهار. و على قدر ارتباط مشكلة تركيا الرئيسة بمياه الفرات،  فهي لها حصة مهمة في طاقة هذا النهر بوصفها البلد المنبع. و بما إن مطالب تركيا لا تزيد عما يؤهلها لتكون، أما بلد منبعا أو بلدا يجري فيه أسفل حوض النهر،  فان عليها أن تتبع سياسة لا تجعلها تتخلى عن مصالحها التقليدية في أي من هذين البعدين.

3 – ترتيبات دولية

          حينما نلقي نظرة على البعد الدولي لهذه المسألة، يبدو لنا المنظر على النحو التالي : نرى إن الترتيبات الدولية التي وضعت حتى ألآن تتعلق أساسا بالغاية من حماية و إدارة الموارد المائية.وفضلا عن الإقرار بان أية من هذه الترتيبات لا بد لها أن تأخذ بالحسبان سياق الظروف الخاصة للمورد المائي، و الظرف الخاص الذي تمر به البلدان ألأطراف في الترتيبات، والبيئة الإقليمية والدولية السائدة في الوقت الذي وضعت فيه هذه الترتيبات. و لهذا السبب، نرى إن الترتيبات التي طبقت لصالح بلد ما، لا يمكن لها أن تؤخذ مرجعا لمجرى مائي آخر. ثمة معاهدة  دولية بإمكانها، هي بالتحديد، أن تتعاطى مع جميع جوانب مسألة المياه الجارية عبر الحدود، تلك هي معاهدة قانون الاستخدامات غير الملاحية لمجاري المياه الدولية convention on the Non-navigational Uses of the International Watercourses. وهذه المعاهدة لم تجر المصادقة عليها لحد ألآن من قبل عدد كاف من البلدان ألأعضاء الموقعين عليها لكي تكون سارية المفعول. إلا أن تركيا لن تتجاهل المبادئ التي تضمنتها هذه المعاهدة،  و لن أيضا يحصل لها فتقلل من شأن المبادئ التي انطوت عليها هذه المعاهدة بحجة أن المعاهدة لم يصادق عليها لحد ألآن عدد كاف من البلدان لكي تكون سارية المفعول، و لن تزعم تركيا أيضا بأنها لم تكن طرفا في صياغة هذه المعاهدة. ذلك، فحتى لو لم تكن تركيا طرفا في صياغة هذه المعاهدة، فان المعايير الدولية المتبعة في مجال مجاري ألأنهار العابرة للحدود، ستوجد على ألأرجح على ضوء الاتجاهات العامة التي حددتها هذه المعاهدة. وهذا هو بالضبط ما يجعل تركيا تركز على الطريقة التي يجب أن تفسر بها لصالحها جميع تلك البنود في المعاهدة التي لها علاقة بالبلدان التي تنبع منها ألأنهار.

          ثمة العديد من النزاعات حول مواضيع المياه العابرة للحدود في أجزاء عديدة من العالم، مثالها النزاعات التي حصلت على مياه نهري ريو غراندي Rio Grande  و كولورادو Colorado  بين الولايات المتحدة و المكسيك؛ و مياه نهري سنت ماري St. Mary  و ميلك Milk  و مياه بحيرة مشيغن Michigan Lake  بين الولايات المتحدة و كندا؛ و نهري ان سالاك Inn Saalach  و سازاك  Salzach  بين النمسا و بافاريا.

          إن ألمشكلة ألأكثر أهمية لتركيا هو النزاع الدائر بينها من جهة والعراق وسوريا من جهة أخرى حول استعمال مياه نهري دجلة و الفرات. ولقد ابتدأ هذا النزاع عند الشروع في تنفيذ مشروع جنوب شرق ألأناضول Southeast Anatolia Project (GAP)  في بداية سبعينيات القرن العشرين، و هو المشروع ألأكثر أهمية عند تركيا. و يغطي هذا المشروع مساحة تبلغ حوالي 70000 كيلومتر مربع، ويضم محافظات غازي عينتاب ، سيرناك، آديامان، باتمان، سانهورفا، ديار بكر، ماردين، و سييرت. و لقد حصل أن ازداد التوتر حين ابتدأ أول هذه السدود بخزن المياه، و هو سد كيبان الذي من المقرر أن يزود المشروع بالماء، و هو الوقت نفسه الذي ابتدأت فيه سوريا بخزن المياه في سد طبقة. و كان كل من سوريا والعراق آنذاك قد وقعا تحت تأثير المخاوف والقلق، لأنهما لم يقوما بجمع المعلومات الكافية عن برنامج تغذية سد كيبان بالماء  ولأنهما قلقا من معاناة وأضرار قد يسببهما هذا ألأمر،  فيكون نتيجتها ألا يكونا قادرين على الحصول على كميات كافية من الماء بعد إن يكتمل بناء هذا السد. لذا، فقد حاولا سد الطريق على هذا المشروع بأن بادرا إلى استهداف الجهات التي قد تقوم بتمويل هذا المشروع،  وزعما أيضا بأنه كان يجب الحصول على موافقتهما لتمويل هذا المشروع.

          و كان كل من العراق وسوريا قد أقلقا أيضا حين ابتدأت تركيا، التي تمتلك تكنولوجيتها الخاصة و مصادر تمويلها الذاتية، أولا ببناء سد كيبان ثم سد أتاتورك. و كان قد لوحظ حصول  انزعاج و اضطراب نتيجة لهذه التطورات.

          و طبقا لما تنص عليه فقرات البروتوكول المعقود بين تركيا و سوريا في نهاية انعقاد اللجنة الاقتصادية المشتركة الذي جرى توقيعه عام 1987 ، إذ كانت تركيا قد ألزمت نفسها بتزويد سوريا بـ 500 متر مكعب/ ثانية من المياه على أساس شهري  من المجرى الرئيس لنهر الفرات، ولغاية أن يمتلئ خزان سد أتاتورك، ولغاية أن يجري أيضا توقيع اتفاقية نهائية بهذا الشأن. وفي حالة أن لا يجري تزويد سوريا بكامل هذا المقدار المقرر من المياه في شهر معين يجري تعويض النقص الحاصل في الشهر الذي يليه. و ما تزال تركيا تفي بهذا التعهد. إذ يبلغ معدل كمية المياه العابرة إلى سوريا 789 متر مكعب/ ثانية عام 2006، و 793 متر مكعب/ثانية في عام 2007. أما في الوقت الحاضر،  فيوجد جو أكثر ايجابية بين ألأتراك        والسوريين.

4 -  الموقف التركي 

          ضمن إطار الجو السياسي الذي انوجد في المنطقة بعد حرب العراق، ازداد اهتمام الولايات المتحدة بالموارد المائية والمجاري المائية العابرة للحدود.

          و في هذا السياق، بإمكاننا أن نضع الملاحظات التالية حول موقف تركيا، التي حرصت في كل مناسبة على إبداء استعدادها للتعاون في القضايا التي تخص الموارد المائية water resources والمجاري المائية العابرة للحدود  trans-boundary watercourses  فمن المعلوم جدا إن نهري دجلة و الفرات،  اللذين يصبان في البحر، بوصفهما نهرا واحدا،  وهما بذا يشكلان حوضا مفردا. وان العراق الذي يرتبط فيه هذان النهران عبر قناتين على أراضيه، قد برهن في الواقع بأن هذين النهرين جزأين من حوض واحد. إن مقولة "نهرين في حوض واحد" هي مبدأ لا غنى عنه عند تركيا. و في هذا السياق تؤمن تركيا بان مجمل الماء المحتمل وجوده في النهرين يعد كافيا ليفي باحتياجات البلدان الثلاثة المتشاطئة على هذا النهر. وتركيا من جانبها تدعم فكرة أن يجري استخدام الماء استخداما متكافئا وعقلانيا و بطريق "مثلى "، بل ويجب أن  لا يحصل " ضرر خطير significant damage " للبلدان الواقعة في أسفل مجرى النهر downstream . وحين تقول طريقة "مثلى" ، فان ما يفهم من العبارة هو أن الماء لا بد من أن يستعمل بطريقة تحقق اكبر الفوائد الممكنة.

          و آخذة هذه المعايير بالحسبان، أوجدت تركيا مفهوما يسمى " خطة المراحل الثلاث Three Stage Plan ". و طبقا لهذه الخطة،  التي دخلت حديثا إلى ألأدب الدولي في هذا المجال، يكون على المرحلة ألأولى أن تحدد مجمل الكمية المحتمل وجودها في حوض دجلة     والفرات، أما المرحلة الثانية،  فهي معنية بتحديد الاحتياجات المائية للري في تركيا و سوريا    والعراق، في حين يجري في المرحلة الثالثة تخصيص متكافئ للكمية المستحصلة من الماء طبقا لما تقرر من احتياجات.

          إن تركيا على استعداد لمناقشة مسالة مياه دجلة و الفرات من خلال منهج متكامل يشتمل على أبعاد المسالة جميعا. و في هذا السياق، قامت تركيا، تعبيرا عن حسن نواياها، بتزويد البلدان المتشاطئة ألأخرى معها بالمعلومات و البيانات التي طلبتها هذه البلدان، وأكدت على أن تبادل المعلومات يجب أن يجري على أساس مبدأ التبادل، و على أن يشتمل على تغطية لحوض النهرين بالكامل.

          إن موضوع مجاري المياه العابرة للحدود لايقتصر على استعمال الماء فقط، إذ أن لهذه المسالة أبعادا بيئية من النوع الذي يحظى بالاهتمام الدولي هذه ألأيام.

          إن الاستعمال المستدام للموارد الطبيعية على المدى البعيد، ومنع حدوث التلوث،         وحماية البيئة و المناطق الطبيعية، هي جميعا عوامل لا بد من أخذها بالحسبان عند رسم السياسات. ففي الوقت الحاضر ليس من بلد في المنطقة لا يتأثر بالمشاكل البيئية، لذا نجد أن تعاون هذه البلدان يجب أن يترجم بإيجاد حلول لهذه المشكلات. وبسبب موقعها، بوصفها بلدا متوسطيا Mediterranean وتقع على البحر ألأسود أيضا، تتعرض تركيا إلى التلوث من قبل الأنهر التي تصب في هذين البحرين. ولا بد أن يؤخذ هذا الجانب بنظر الاعتبار في كل المجالات، من السياحة إلى الصيد، و من التنوع البيئي إلى صحة الإنسان،  ومجالات أخرى غير هذه.

5 – استنتاج

          لا يمكن التوصل إلى اتفاقيات تخص مجاري ألأنهار العابرة للحدود دون تعاون جيد    ذو هدف، سواء أكان إقليميا أو دوليا، وبين البلدان المعنية بهذا ألأمر. فالاتفاقيات الدولية التي سيجري تبنيها لا يمكن تنفيذها إلا عبر تعاون من هذا الطراز.              

 

 

 

 

 

 

 

(2)

المجاري المائية العابرة للحدود التركية

و

حوض الفرات - دجلة

 

بروفيسور يونال أوزيش

و

د. يلسين أوزدمير[1]

 

 

 

 

خــلاصـــة :

توفر الموارد المائية العابرة للحدود ما يقارب 70 كيلومتر مكعب من المياه سنويا من مجمل المياه الموجودة  في تركيا. و هذا يعني أن حوض الفرات – دجلة يمثل حوالي 4/5من هذا الرقم. و مشاريع التنمية في أحواض من هذا النوع ، بما فيها مشروع جنوب شرقي الأناضول GAP هي بالأساس تتوافق و مبادئ ألأمم المتحدة المتعلقة بالاستخدام المتكافئ و المعقول للمياه. فضلا عن إن السدود في تركيا توفر منافع ذات أهمية للبلدان الموجودة في أسفل سرير النهر من قبيل:  الاحتفاظ برسوبيات النهر، و درأ خطر الفيضان، و أحيانا تنظيم تدفق للمياه . إن معدل ما يوجد من مياه احتياط في الفرات و دجلة في تركيا يبلغ حوالي 32 كيلومتر مكعب سنويا و 24 كيلومتر مكعب سنويا على التوالي،  بما فيها الروافد التي تصب مباشرة في البلدان الواقعة في أسفل سرير النهر. و من الناحية الجوهرية، و بوجود معدل الظروف السائدة،  فان 40% من مياه نهر الفرات و 65% من مياه نهر دجلة ستستمر بالتدفق إلى البلدان الموجودة في أسفل سرير النهر. و مع ذلك، و بسبب التباين في عمليات سحب المياه من الخزانات الضخمة للمياه الموجودة في تركيا، فأن كمية المياه في أية اتفاقية لتحديد الحصص المائية لا بد لها أن توضع على أساس مستويات عديدة مختلفة من الاحتمالات. إن كميات المياه الاحتياط العابرة للحدود في حوض الفرات و دجلة غالبا ما تخصص باختلافات كبيرة طبقا لمصادرها المتنوعة.  و من هنا تتولد الصعوبة  في تحديد احتياط دقيق للمياه و هو ما يعد عنصرا أساس في تحديد أية تخصيصات بين البلدان المتشاطئة أو بالتالي تحويل مجرى الأنهار إلى بلدان أخرى في الشرق ألأوسط.

المصطلحات الرئيسة المستعملة: الفرات، دجلة، الموارد المائية العابرة للحدود، الشرق ألأوسط،  السياسات المائية.   

 

1 – الــمـــقــدمــــة:

          يوجد أكثر من 200 مصدرا للمياه في العالم تصنف بوصفها "عابرة للحدود transboundary" و/ أو ذات طبيعة "تشكلها الحدود  boundary forming "، وتغطي هذه تقريبا نصف مساحة القارات. وتستعمل معاهدة ألأمم المتحدة مصطلح " دولي international " غير المناسب والمضلل حين تتحدث عن المجاري المائية watercourses. وعلى الرغم من تسميتها بـالمجاري المائية " العابرة للحدود " خلال عقود عديدة من تقديم المسودات              والمناقشات، فان مصطلح مجاري المياه “ المتعددة الأوطان multinational  " قد يكون التسوية العقلانية، إذا كان في النية الاحتفاظ بتعبير " وطني national " في مجموعة المصطلحات المستعملة.

          إن اغلب مجاري المياه العابرة للحدود و / أو التي تشكلها الحدود قد تتسبب في الغالب بصراعات مصالح بين البلدان المتشاطئة. وكانت قد وقعت ما يقارب 300 معاهدة بين مختلف الدول حتى ألآن لها علاقة باستخدام المياه التي تمر في مجاري المياه هذه (بيسواس 1994).                      

          إن احتياطي الماء المتجدد سنويا في العالم يبلغ بحدود 7000 متر مكعب للفرد الواحد سنويا عند نهاية القرن، غير إن توزيعه في المكان و الزمان يختلف إلى درجة كبيرة لدرجة إن العديد من البلدان، بما فيها بلدان الشرق ألأوسط، لديها احتياطي يقل عن المعدلات الموجودة في مناطق أخرى من العالم .

          و مثال على هذا، لقد كان احتياطي الماء المحلي يعادل 2900 متر مكعب سنويا لكل فرد في تركيا و 500 متر مكعب سنويا للفرد في سوريا،  و 1400 متر مكعب سنويا للفرد في العراق، هذا حين تؤخذ بالحسبان كميات المياه المتولدة داخل البلد. إن النمو السكاني السريع في البلدان الشرق أوسطية من جانب والتدهور الذي أصاب نوعية موارد المياه الحلوة من جانب آخر،  قد أحدثا تزايدا كبيرا  في ظاهرة ندرة الماء في هذه البلدان، وهي ما تزال تزداد سوء بسبب تأثيرات سلبية أحدثتها على نحو استباقي ظاهرة عمليات التغير الحاصل في المناخ.

و في مقارنات من هذا النوع، غالبا ما تكون ألأرقام المقدمة مضللة، حين تؤخذ بالحسبان كميات المياه المنبعثة في البلدان الواقعة في أعلى سرير النهر. إن تضمين سحوبات الماء من الفرات و روافده،  ورافد أورونتس في تركيا، ورافد أورونتس ألأعلى في لبنان،  قد يزيد من احتياطي المياه في سوريا ليصل إلى 3000 متر مكعب للفرد الواحد سنويا، وعلى النحو ذاته، لو جرى تضمين السحوبات من الفرات في تركيا و سوريا، و من دجلة و روافده من تركيا      وإيران، قد يزيد احتياطي المياه في العراق ليصل إلى 5200 متر مكعب سنويا للفرد الواحد.

 وعلى الرغم من أنه يبدو على احتياطي المياه المحلية في تركيا أنه عال جدا حين يقارن بما موجود عند الجيران، فانه قليل، إذ لا يعادل سوى نصف المعدل الموجود في العالم. فضلا عن إن توزيعه في المكان والزمان ليس متوازنا، لدرجة أن تركيا لا تستطيع التحكم، بما يعود عليها بفوائد، سوى بثلثين من احتياطها المائي.

تواجه تركيا ضغوطا من الخارج، ضغوطا ترتبط بموضوع حوض الفرات– دجلة بالذات، على الرغم من أنها صوتت ( مع الصين و بوروندي) ضد معاهدة 1997 التي وضعتها ألأمم المتحدة، التي تحتاج إلى موافقات عديدة و تقييدات تذهب إلى ما وراء منطق المبدأين القائلين بـ  "استعمال معقول و متكافئ" و "عدم إحداث ضرر فادح". ففي هذا السياق، على تركيا أن تضع تأكيدا قويا على تقييم ضروراتها، والفرص التي تتمتع بها في السياسة ألأجنبية فيما يخص مجاري المياه العابرة للحدود.

لقد سببت التنمية الحاصلة في تركيا في مجال ألأرض والموارد المائية قلقا للبلدان الواقعة في أسفل سرير النهر فيما يخص  النقص المتوقع في كمية المياه والتدهور الحاصل في نوعها. و هذه العوامل ترتبط مباشرة بتنفيذ مشروع جنوب - شرقي ألأناضول GAP في حوض الفرات – دجلة،  حيث تركيا هي الدولة المتشاطئة الواقعة في أعلى سرير النهرين الرئيسين.    و هذا القلق يستند إلى : (أ) الضائعات الناجمة من التبخر الحاصل في سطح خزانات المياه التي خلقتها السدود العظيمة، التي غايتها تخزين الماء من الفرات و دجلة، التي تختلف اختلافا كبيرا، و المستفاد منها للسيطرة على الفيضانات، (ب) التحويل الحاصل في مجاري ألأنهار واستهلاك المياه الذي سببته منظومات الري الكبيرة في هذا الحوض، (ت) الطلبات المتزايدة على المياه في تجهيز الحياة الحضرية و الصناعية في المنطقة.

لكن السدود في تركيا، من ناحية ثانية،  توفر فوائد عظيمة لبلدان أسفل سرير النهر أيضا؛ من قبيل الاحتفاظ برسوبيات المياه، درأ الفيضان، وتنظيم تدفق المياه بتسلسل أحيانا. فضلا عن أن مشاريع التنمية في أحواض مثل هذه ألأنهار، وبضمنها ألـ GAP تتفق أساسا مع ما وضعته ألأمم المتحدة من مبادئ عن "الاستعمال المعقول و المتكافئ" للمياه. إن الجزء الخاص بالعراق من أزمة المياه الشرق – أوسطية،  في الواقع، يبدو و كأنه مشكلة مبالغ بها و ليست مناسبة، حين نقارنها بصراعات أخرى حاصلة في المنطقة.  ومع ذلك،  فان النزاعات على تخصيصات الماء بين الدول المتشاطئة من ناحية، و موضوع تحويل مجرى المياه من دجلة إلى الفرات، و بالتالي من الفرات إلى حوض نهر ألأردن المجاور من ناحية أخرى، يضع حوض الفرات – دجلة في المقام ألأول من الاهتمام الدولي.

2 – مــجــاري الــمــيــاه الــعــابــرة للــحــدود فـي تـركـيــا

1.2 نظرة عامة

مجاري المياه العابرة للحدود، أو التي " تشكلها الحدود" موجودة في الشمال الغربي،    والشمال الشرقي،  والجنوب الشرقي من تركيا. وألأحواض الرئيسة لهذه هي: (1) ماريتزا / ميريس  Maritza/Meric، (2) كورو Coru  ، (3) كورا- آراكسKura-Arax ،           (4) أورونتيس/ آسي Orentes/Asi ، (5) الفرات- دجلة/   Euphrates-Tigris Firat-Dicle  فضلا عن وجود بعض الجداول الصغيرة المنفردة تعد ثانوية بالنسبة لتلك ألأحواض المذكورة في أعلاه.

و تركيا تعد أساسا الدولة المتشاطئة الواقعة في أعلى سرير النهر بالنسبة لحوضي الفرات- دجلة، و كورا – آراكس، و معهما الجداول الصغيرة. وهي البلد المتشاطئ الواقع في أسفل سرير النهر بالنسبة لحوضي نهري ماريتزا و أورونتيس.

و مجاري المياه العابرة للحدود تغطي حوالي 256000 كيلومتر مربع من مساحة تركيا، أي حوالي الثلث،  وتوفر  حوالي 70 كيلومتر مكعب ، أو ما يعادل 40 % من إجمالي المياه النابعة من تركيا.

2.2 حوض نهر مــاريــتــزا

          ينبع احتياطي الماء في نهر ماريتزا من منطقة تصريف مساحتها حوالي 14560 كيلومتر مربع من ألأرض. يأتي ماؤه حوالي 1,2 كيلومتر مكعب سنويا من رافد موجود في تركيا أسمه أيرجيني و 0,4 كيلومتر مكعب سنويا من رافد أسمه تيونكا، و 0,2 كيلومتر مكعب سنويا من جداول موجودة على الضفة الشرقية لنهر ماريتزا. وهكذا يجمع حوالي  1,8كيلومتر مكعب في السنة. إن منطقة التصريف في حوض ماريتزا تبلغ مساحتها حوالي 35000 كيلومتر مربع في بلغاريا،  و 4000 كيلومتر مربع في اليونان، و 14600 كيلومتر في تركيا، وبذا تصل المساحة الإجمالية إلى 54000 كيلومتر مربع.

          في بلغاريا الواقعة في أعلى سرير النهر، يصل احتياطي المياه لنهر ماريتزا ورافده آردا إلى حوالي 5.1 كيلومتر مكعب سنويا، حوالي 0,6  كيلومتر مكعب سنويا منها تأتي من نهر تيونكا،  ويأتي احتياطي الماء ألإضافي لماريتزا وآردا من متشاطئ مؤقت هو اليونان بحوالي 0,5 كيلومتر مكعب سنويا. ومن هنا يصل إجمالي احتياطي المياه الذي يتوفر لنهر ماريتزا بأكمله (الشكل رقم 1) ، بما فيه احتياطيه في تركيا، إلى حوالي 8 كيلومتر مكعب سنويا.

 

الشكل رقم (1) حوض نهر ماريتزا

 

          لدى تركيا أراضي زراعية بالإمكان إروائها تبلغ مساحتها حوالي 1,200,000 هكتار تقع كلها في حوض هذا النهر، ومن المتوقع له أن يروي ثلث هذه المساحة. إن عدم كفاية احتياطي المياه المحلية وعدم ملائمة التوزيع يجعل من الضرورة بمكان استخدام الماء في المجرى الرئيس للنهر. و مع ذلك،  فان تحويل مجرى الماء في بلغاريا و اليونان يسبب غالبا نقصان في الماء الموجود في النهر. و تركيا حتى أنها اضطرت خلال الجفاف الذي حصل عام 1993 إلى " شراء" الماء الذي أطلقته بلغاريا من خزانات سدودها.

و بذا اضطرت تركيا البلد المتشاطئ الواقع في أسفل سرير النهر إلى ترتيب ألأوضاع في حوض ماريتزا ضمن اتفاقية حدود،  تأخذ بنظر الاعتبار علاقتها الحساسة مع بلغاريا        واليونان، وأهمية النهر ورافده بالنسبة لبلغاريا و استخدام مياه نهر آردا بالنسبة لليونان.  ان ضبط المياه الفائضة من ألأنهر، غيرالمنضبطة بالسدود الموجودة في الدول المتشاطئة الواقعة في أعلى سرير النهر، في الخزانات الموجودة في تركيا، قد يساهم جزئيا بحل مادي للمشكلة.

          أما على المنحدرات الشمالية الشرقية  لجبال انسترانكا Instranca المتاخمة لحوض ماريتزا بين الجداول  التي تصب  في البحر ألأسود، ينبع جدول ريزف (كوكاديري) من تركيا ثم يشكل الحدود بين تركيا وبلغاريا، وينبع جدول فيليكا (ميوتلو)  في تركيا ثم يجري في بلغاريا. قد تصلح هذه الجداول بما فيها من احتياطي مائي يبلغ حوالي 0.1 كيلومتر مكعب سنويا يتجمع من أرض تبلغ مساحتها 400 كيلومتر مربع في تركيا في تحويل مجرى النهر ليجهز منطقة كيركلاريلي – اسطنبول، لكن هذا قد يؤثر على الدولة المجاورة.

3.2 حوض كوروه

تقع أكبر  مساحة من حوض كوروه  في تركيا، بمساحة سحب تبلغ 19872 كيلومتر مربع وباحتياطي مائي يبلغ 6.1 كيلومتر مكعب سنويا. و هذا يعادل تقريبا عشر احتياطي كميات المياه المحلية العابرة للحدود في تركيا.

          يعبر كوروه الحدود إلى جورجيا، حيث يستلم هناك آخر رافد رئيسي يصب فيه من أدزارسكايا، ثم يصب بعد ذلك في البحر الأسود قرب باتومي ( الشكل رقم 2). ويبدو على الاحتياطي المائي الإضافي الذي ينبع من منطقة سحب مساحتها 2090 كيلومتر متربع  في جورجيا أنه يحتوي على ما يقارب 2,5 إلى 3,0 كيلومتر مكعب من الماء سنويا.

و تتطلع تركيا إلى ري ما يقارب 160000 هكتار من ألأراضي، وتبني أيضا خطط  لتوليد الطاقة الكهرومائية تبلغ حوالي 12 بليون كيلوواط من الطاقة الكهربائية في حوض كوروه ؛ اثنا عشرة منها تشكل شلالات صغيرة من السدود تمتد بحوالي 1500 متر على امتداد النهر الرئيس.

           إن ري هذه ألأراضي، إذا ما قارناه باحتياطي المياه الموجود في كوروه، سيسبب إعاقة لجورجيا، وهي الدولة المتشاطة معنا في أسفل سرير النهر،  فضلا عن ان انتظام تدفق الماء خلال شلالات السد سيزيد من التدفق الواطئ، ويؤدي إلى الاحتفاظ بالترسبات الغرينية           ويخفف من وطأة الفيضان،  وهذا كله في صالح جورجيا. و مع ذلك فان تأثير النقصان في الترسبات على تشكل الدلتا قرب باتومي لا بد من دراسته بعناية. إضافة إلى أن منع أي تلوث يحصل أخيرا بسبب المناجم و الصناعة في مجري كوروه السفلي من روافده لا بد من السيطرة عليه باتخاذ الإجراءات الضرورية.

          الشكل رقم 2 حوضي كوروه وكيورا آراكس

 

4.2 حوض كيورا - آراكس

إن كميات المياه النابعة من تركيا والمتدفقة في حوض كيورا آركس بمساحة 28380 كيلومتر مربع، إذ يأتي حوالي 0.9 كيلومتر مكعب سنويا منه  في الجزء ألأعلى من مجرى كيورا، و 1.8 كيلومتر مكعب سنويا   في الجزء ألأعلى من مجرى آركس،  و  0.1كيلومتر مكعب في كارس،  و 0.1 كيلومتر مكعب في كوتيور. من هنا يصبح ألإجمالي 3.5 كيلومتر مكعب سنويا. و تشكل هذه الكمية حوالي واحد من اثني عشر من احتياطي المياه المحلية العابرة للحدود الموجودة في البلد.

يعبر كيوروه الحدود إلى جورجيا، ثم إلى أذربيجان، لكي يصب في بحر الخزر. وينبع الرافد آرباخاي عند الحدود التركية الأرمينية، ليشكل الحدود بينهما، ويستلم الرافد كارس من تركيا.  وينبع آراكس من تركيا،  وينضم إلى آرباخاي عن الحدود تركيا مع أرمينيا،  ليشكل فيما بعد الحدود بين تركيا وأرمينيا،  ثم يمر لمسافة قليلة بين تركيا و أذربيجان (ناخاسيفان)، ثم بين إيران و أذربيجان ( ناخاسيفان)، وأرمينيا، ومرة أخرى مع أذربيجان، ثم ينضم أخيرا إلى كيوروه في اذربيجان.

و تبلغ مساحة منطقة السحب من الرافد آراكس حوالي 24000 كيلومتر مربع في تركيا، و 22000 كيلومتر مربع في أرمينيا، و 35000 كيلومتر مربع في إيران و 21000 كيلومتر مربع في أذربيجان. و هكذا يكون إجمالي مساحة مناطق السحب هي 102000 كيلومتر مربع؛ أما مساحة  منطقة السحب من كورا، فهي في تركيا 4000 كيلومتر مربع، و 33000 كيلومتر مربع في جورجيا،  8000 كيلومتر مربع في ارمينيا،  و 41000 كيلومتر مربع في أذربيجان. و هكذا يصير إجمالي مساحة مناطق السحب حوالي 86000 كيلومتر مربع،  لدرجة إن مساحة مناطق السحب من حوض كيورا – آراكس الموجودة إلى شرق البحر ألأسود و تصب في بحر الخزر هي بحدود 190000 كيلومتر مربع. وليس في الإمكان الحصول على البيانات التي بالإمكان التعويل عليها حول توزيع الاحتياطي المائي و التي قد تبلغ إجمالا حوالي  40 كيلومتر مكعب سنويا.

وتخطط تركيا هادفة إلى توليد حوالي 2.3 بليون كيلو واط سنويا من الطاقة الكهرومائية وري حوالي 480000 هكتارا من ألأراضي في حوض كيورا- آراكس. إن الاحتياطي التركي من المياه لن يكون بإمكانه تلبية متطلبات الري كاملة، حتى لو جرى حل الخلافات حول توزيع المياه.

ان سد آرباخاي على امتداد خط الحدود،  بتوفيره منظومة لتدفق المياه في سد ساردارابات ليروي سهل آغدار،  كان قد أنشئ في ثمانينات القرن العشرين على وفق المعاهدة الموقعة عام 1927 بين تركيا و الاتحاد السوفيتي، التي نصت على استعمال متكافئ للماء من أرباخاي .  إن إطلاق 1.5 متر مكعب في الثانية إلى إيران في نهر ساريسو لا يمكن تحقيقه في بعض حقب الجفاف.

و لحوض كيورا – آراكس، إضافة إلى كونه أحد موارد المياه، أهمية عظيمة عند تركيا فيما يتعلق بالعلاقات السياسية و الاقتصادية القائمة بين تركيا من جانب و جورجيا و إيران      و أرمينيا،  وبخاصة أذربيجان. لذا، فان تنميته تتأثر دون ريب بطرق التفكير المتعددة الموجودة في المنطقة.

 

5.2 حوض أورونتس

حوض أورونتيس ينبع احتياطي المياه الخاص بأورونتيس من منطقة سحب تبلغ مساحتها 5500 كيلومتر مربع في تركيا و بكمية تبلغ 1.2 كيلومتر مكعب سنويا، بضمنها 0.2 كيلومتر مكعب تأتي من جداول عليا للرافد آفرن الموجود في منطقة سحب تبلغ مساحتها 1000 كيلومتر مربع من جداول العليا للرافد آفرن (الشكل رقم 3).

الشكل رقم (3) حوض نهر أورونتيس

و احتياطي المياه للمتشاطئ ألأعلى ألآخر لبنان Lebanon هو 0.4 كيلومتر مكعب سنويا من منطقة سحب تبلغ مساحتها  حوالي 2200 كيلومتر مربع، ثم يدخل أورنتس بعدئذ إلى سوريا، ليكون فيما بعد خطا للحدود بين تركيا و سوريا، ويصب في البحر المتوسط في تركيا،  ويعبر الرافد آفرن الحدود من تركيا إلى سوريا ثم يعاود الدخول في تركيا، واحتياطي الماء النابع من منطقة سحب تبلغ مساحتها حوالي 15600 كيلومتر مربع في سوريا هي 1.0 كيلومتر مكعب سنويا. وبذا، تبلغ كمية احتياطي المياه لأورنتس حوالي 2.6 كيلومتر مكعب سنويا.

و تنوي تركيا ري أرض تبلغ مساحتها حوالي  165000 هكتار في حوض أورنتس،   و هو أمر لا يمكن انجازه إلا باستعمال احتياطي الماء المحلي. إلا إن تطوير مشروع غهاب في سوريا و مشاريع أخرى على أورنتس لا بد أن تترك أثرها على كمية سحب المياه، ما يعني ترك كميات محدودة من المياه تدخل إلى الأراضي التركية، بخاصة في مواسم الجفاف،                وإطلاق سحوبات الفيضان في المواسم الرطبة؛ و الشئ ذاته متوقع له أن يحصل في الرافد آفرن.

غالبا ما تطبع محافظة هاتاي Hatay   التركية، التي تقع أغلب أراضيها في حوض أورونتس، في الخرائط السورية على أنها جزء من سوريا ؛ وغالبا ما ترفض سوريا مناقشة مواضيع المياه المرتبطة بحوض أورونتس. و على الرغم من إن هذا يحدث على أكثر من صعيد، فان المواقف المتبادلة بين البلدين المتعلقة بأورونتس والفرات، تحتم تضمين حوض أورونتوس في المناقشات حول حوض الفرات- دجلة بخاصة. و في المناقشات الجارية حول مشاكل المياه في الشرق ألأوسط بعامة.

و جدول كويك Qweik  المسمى أيضا (بالك) الواقع بين حوضي أورونتس والفرات،  وينتهي في أرض صحراوية قرب حلب في سوريا،  لديه احتياطي مياه يبلغ 0.2 كيلومتر مكعب سنويا تنبع من أرض تبلغ مساحتها حوالي 1000 كيلومتر مربع في تركيا. وعلى الرغم من معاهدة  وقعت منذ عام 1921 كانت قد رسمت صورة للاستعمال المتساوي للماء المجهز لحلب، فان المدينة تتجهز فعليا من خزان لسد طبقة (في منطقة ثورة) على  نهر الفرات.

6.2 حوض الفرات- دجلة

          الفرات ودجلة هما الفرعان الرئيسان لحوض نهر عابر للحدود، يلتقيان في منطقة تبعد 70 كيلومترا شمال مدينة البصرة في العراق، لكي يكونا سوية نهر شط العرب الذي ينصب ماؤه بعدئذ في الخليج على مسافة 100 كيلومتر في الجنوب .

 

 

          و تركيا هي البلد المتشاطئ على كليهما الفرات و دجلة، بوصفها بلد منبع. و إيران هي البلد المتشاطئ على دجلة بواقع إن منابع روافد شرقية لدجلة تقع على أراضيها. والعربية السعودية هي البلد المتشاطئ لمنابع الجداول التي لا تساهم من الناحية العملية إلى الجنوب الغربي من الفرات. وسوريا هي البلد المتشاطئ إلى حد كبير بوصفه تقع في أعلى سرير النهر الجنوبي لنهر الفرات، ولمسافة قصيرة هي بلد متشاطئ عند الحدود على نهر دجلة. و العراق هو البلد المتشاطئ الرئيس الذي يقع في أسفل سريري دجلة و الفرات كليهما. شكل رقم (4).

          و لا بد من أن نذكر هنا لغرض الإحاطة الكاملة بان جدول بارادوست Baradost الموجود في نواحي حوض دجلة، ينبع بمقربة من يوسيكوفا وله احتياطي من المياه يبلغ حوالي 0.2 كيلومتر مكعب سنويا في تركيا، ويعبر الحدود إلى إيران و يصب في بحيرة أرومية Urumiye .

          و يبلغ احتياطي المياه لحوض الفرات حوالي 37 كيلومتر مكعب سنويا، توفر تركيا منه 32 كيلومتر مكعب سنويا، أي 85 % من هذا الاحتياطي تأتي من منطقة تبلغ نسبة مساحتها حوالي 30 % من إجمالي مساحة منطقة السحب. ويبلغ إجمالي احتياطي مياه حوض دجلة حوالي 57 كيلومتر مكعب سنويا، توفر تركيا منه حوالي 24 كيلومتر مكعب، أي بنسبة تبلغ 40 % من إجمالي منطقة السحب. ومن هنا، يبلغ ما توفره تركيا منه حوالي 60 % من إجمالي احتياطي مياه حوض دجلة - الفرات بنسبة مساحة تبلغ 25 % من مساحة منطقة السحب.

إن ندرة المياه في الشرق الأوسط تكاد تكون مشكلة عامة، والمزاعم الخاصة بتخصيصات الماء من لدن الدول المتشاطئة بخاصة، هي التي تعزز من وجود مواضيع دولية جيوبوتيكية تخص الطاقة.  وهذه الدول والمنظمات التي تطلق مثل هذه المزاعم موجودة خارج المنطقة، بما يجعل من حوض دجلة – الفرات واحد من مواضيع الصراع ألأشد تركيزا في العالم. و في هذا السياق، سيجري في الأقسام التالية من هذه البحث التعاطي مع الموضوع الخاص بمياه الفرات - دجلة العابرة للحدود.

شكل رقم (4) حوض الفرات - دجلة

 

3 . احتياطي المياه في حوض الفرات - دجلة 

       يعد حوض الفرات – دجلة حتى ألآن أكثر مجاري المياه العابرة للحدود أهمية عند تركيا، وذلك لأن احتياطي مياهه تأتي كمية منه من تركيا و تقدر بـ 56 كيلومتر مكعب سنويا،   أي 4/5 من إجمالي احتياطي المياه المحلية العابرة للحدود.

                   و يبلغ معدل احتياطي مياه الفرات لوحده حوالي 37 كيلومتر مكعب سنويا،     وذاك الذي لدجلة يبلغ 24 كيلومتر مكعب سنويا في تركيا، وهي البلد المنبع لكلا النهرين، بما فيه الروافد التي تصب مباشرة في البلدان الواقعة في أسفل سرير النهر.

و يبلغ إجمالي احتياطي المياه لنهر الفرات كمعدل بحدود 37 كيلومتر مكعب سنويا، في حين تضاف إليها في سوريا حوالي 4 كيلومتر مكعب سنويا،  وفي العراق بحوالي1 كيلومتر مكعب سنويا ( و ليس هناك من مساهمة فعلية من لدن العربية السعودية). أما في نهر دجلة فهي بحدود 57 كيلومتر مكعب سنويا، تضاف إليها 10 كيلومتر مكعب سنويا في إيران، و 23 كيلومتر مكعب سنويا في العراق، متجاهلين المساهمة المحدودة جدا من سوريا، مستثنين الكرخة Karkeh  و الكارونKarun في إيران. و هكذا، يبلغ إجمالي احتياطي مياه حوض الفرات – دجلة بحدود 94 كيلومتر مكعب سنويا.

          و تستند أبحاث المؤلفين حول احتياطي مياه الفرات – دجلة بالكامل على بيانات متنوعة و على طرق لفهم الموضوع موجودة في المعلومات التالية: (1) 31.9 كيلومتر مكعب سنويا تتجمع من منطقة تبلغ مساحتها 121560 كيلومتر مربع في تركيا،  (2) 4.3 كيلومتر مكعب سنويا تتجمع من منطقة في سوريا تبلغ مساحتها 87000 كيلومتر مربع ؛ (3) و 0.4 كيلومتر مكعب تتجمع من منطقة في العراق تبلغ مساحتها 182300 كيلومتر مربع؛ و ليس ثمة في الواقع تدفق من منطقة في العربية السعودية تبلغ مساحتها 58000 كيلومتر مربع.  و بذا، سيبلغ إجمالي احتياطي المياه 37 كيلومتر مكعب لعامود نهر الفرات. أما بالنسبة إلى دجلة فقد كانت النتائج كما يلي: (1) 24.1 كيلومتر مكعب سنويا تأتي من 57615 كيلومتر مربع في تركيا؛ (2) 0.1 كيلومتر مكعب سنويا تأتي من  850 كيلومتر مربع في سوريا ؛ (3) 10.4 كيلومتر مكعب سنويا تأتي من 39400 كيلومتر مربع في إيران؛ (3) 23.2 كيلومتر مكعب سنويا تأتي من مساحة 146150 كيلومتر مربع في العراق. و بذا يصير الإجمالي بحدود 57 كيلومتر مكعب سنويا.

           و نجد في العديد من المنشورات التي تتناول صراع الماء في الشرق ألأوسط، إن الأرقام الواردة عن إجمالي احتياطي مياه  الفرات يتراوح بين 29 إلى 37 كيلومتر مكعب سنويا. و عن دجلة تتراوح بين 42 الى 58 كيلومتر مكعب سنويا. و تبلغ حصة احتياطي مياه الفرات بمقدار 29.0 كيلومتر مكعب سنويا بموجب (Shahin , 1989) ، و  29.5 بموجب(Kolars & Mitchell, 1991)  ، و 31.8 بموجب  ( Star & Stoll, 1987; Beaumont, 1994)، و  32 بموجب  (Kutan,             1996) ، و 35 بموجب (Bilen, 1996) ،35.6  و بموجب  (Akmandor et el., 1994 ; Disisleri, 1996) و 29.5 – 35.4 بموجب (Ozis, 1994) ، 37 كيلومتر مكعب سنويا بموجب ( Ozis et el., 1998).

                   و تبلغ حصة احتياطي نهر دجلة بمقدار 43.2 كيلومتر مكعب سنويا بموجب (Starr & Stoll, 1987 : Kutan, 1996) ، و 48.7 بموجب Shahin, 1989; Akmandor et el., 1996)(، و 52.7 بموجب (Beaumont, 1992; Belin, 1996)، و 47 – 56 بموجب (Ozis, 1994)، و 57 – 58 بموجب (Ozis et el., 1998)، و 60 بموجب (Ozis et. El., 1997) .

إن الفروقات بين 37 و 29 كيلو متر مكعب سنويا، يبلغ بذا 8 كيلومتر مكعب سنويا بالنسبة للفرات من جانب، و بين 58 و 42 كيلو متر مكعب سنويا ليبلغ 16 كيلومتر مكعب سنويا في دجلة من جانب آخر، كانت بسبب الملاحظات المصنفة عينيا، والافتقار إلى المعلومات، و إلى انحراف في البيانات و فقدان المعلومات. إن هذه الاختلافات لا بد من أن يجري توضيحها، و لا بد من تحديد احتياطي المياه طويل ألأجل في حوض دجلة – الفرات،  بمشاركة من جميع ألأطراف ذات العلاقة، قبل الدخول في أية مباحثات تخص اتفاقية لتخصيصات المياه.

و هذا يتناسب بالأساس في المرحلة ألأولى من أية " خطة ذات ثلاث مراحل"  تقترح من لدن تركيا لجيرانها منذ ثمانينيات القرن العشرين،  بما له علاقة بتنمية الموارد المائية        وموارد الأراضي في حوض الفرات – دجلة.

 

 

4 . التطور في حوض الفرات – دجلة 

1.4  التطور في ألأراضي التركية  

ثمة عدد مقترح من السدود يبلغ المائة،  أغلبها لغرض ألري و/أو لإنتاج الطاقة،         و البعض منها موجود و جاهز للتشغيل حاليا. و هذه السدود موجودة على الفرات ألأعلى، على أنهر  كاراسو Karasu ، و مورات  Murat، و بيري  Peri ، و مونزور Munzur ، و توهما Tohma  و روافدها.  و يؤشر سد كيبان Keban الغاية المرجوة من مجرى الفرات ألأعلى،   وهي إنتاج 6TWh  من الطاقة سنويا، وله طاقة لخزن المياه تبلغ حوالي 25 كيلومتر مكعب من الماء، وهو يشكل أيضا العنصر ألأساس بتنظيم تدفق كميات المياه في النهر. 

أما تطوير الفرات ألأسفل في تركيا،  فهي تجري ضمن سياق العمل في مشروع غاب G.A.P. ، ومعه غرب ووسط دجلة، فهو يخدم القوة المحركة للتنمية الاقتصادية  - الاجتماعية في المنطقة.  ومن هنا، سيقوم 53 سدا على الفرات ألأسفل، و 15 سدا على غرب ووسط دجلة في تركيا بتنظيم تدفق الماء لغرض السيطرة على الفيضان، والري و/ أو توليد الطاقة،  فضلا عن خطط لتجهيز بعض المشاريع الصناعية و الحضرية بالمياه.

سيجري ري حوالي 1.8 مليون هكتار من الأراضي الزراعية في سياق مشروع غاب،  ثلثاها في الفرات ألأسفل، و الثلث المتبقي في دجلة الغربي وألأوسط. و متوقع إنشاء 18 محطة كهرومائية بطاقة  20 TWh  ، و 12 محطة أخرى بطاقة  8TWh سنويا على دجلة الغربي     وألأوسط في تركيا. وخارج إطار غاب. سيوجد 22 سدا و 30 محطة لإنتاج الطاقة الكهرومائية بطاقة 9 TWh  سنويا مخطط لها على دجلة الغربي و ألأوسط في تركيا.

و الجدير ذكره هو سد أتاتورك الصخري الذي بنيت سدته بـ 85 مليون متر مكعب من الحجر، لإيجاد خزان للمياه يسع 48 كيلومتر مكعب من المياه، ويولد طاقة تصل إلى 9TWh سنويا ( Ozis, et al., 1990) ، و قناتي سانلي أورفا التوأمتين،  كل منها بطول 26.4 كيلومتر، لتنقلا حوالي 330 متر مكعب من الماء بالثانية ( Tanriviverdi 1992 ; Kurt 1992) ؛ وسد كاراكايا بارتفاع 137 مترا بكتلته المقوسة ليولد طاقة تبلغ   8TW سنويا  (Ozis & Ozel 1989) . وبعض هذه السدود،  ومعامل الطاقة،  ومشاريع الري هي قيد التشغيل في الوقت الحاضر.  وتشكل سدود كاراكايا و أتاتورك و بيرسيك و كاركامس و معامل للطاقة سلسلة من من الخزانات على المجرى الرئيس لنهر الفرات، إلى الجنوب قريبا من الحدود السورية. ومن بين السدود الرئيسة الموجودة على دجلة ألأعلى،  نجد قيد التشغيل الآن سدود كارلاكيزي Kralakizi و ديكل  Dicle و باتمان Batman .

 

4.2 التطورات في البلدان المتشاطئة ألأخرى

توجد ثلاثة سدود على المجرى الرئيس لنهر الفرات في سوريا وهي: تشرين وطاقته الخزنية القصوى تصل إلى الحدود التركية،  والثورة (طبقة) الذي يعد السد الرئيس في استخدامات الري وإنتاج الطاقة وتجهيزات المياه للمناطق الحضرية في حلب، والبعث الذي ينظم سحب المياه من السدين السابقين. و تسعى تركيا لإنشاء سد عالي (يوسف باشا) يتصل بطرف سد تشرين الموجود في سوريا وسد كاركاميسKarkamis   في تركيا، الذي سيكون اكبر فائدة للبلدين على حد سواء،  ولكنه لم يكن موضع ترحيب مناسب من جارة تركيا الواقعة على أسفل مجرى النهر. و ثمة ثلاثة سدود هي:  صعب Saab، و طف Taaf، و شوهي Shuhey ، موجودة على نهر الخابور و رافدين آخرين في سوريا و تنبع هذه من سيريسب Circip،         و زيركان Zerkan، و كاجكاج Cagcag و هي روافد للفرات في تركيا ( Kolars & Mitchel 1991; Karadamur & Hadid 1992 ; Wakil 1993 ) وتتوقع سوريا أن تقوم بارواء حوالي 800000 هكتارا من أراضيها،  بغض النظر عن العوامل الموجودة،  بخاصة ما يظهر على التربة من خواص قد تحددها بـ 300000 إلى 400000 هكتارا.  إن تطبيق المرحلة الثانية من " الخطة – ثلاثية – المراحل" المقترحة من لدن تركيا قد تساهم في إيضاح هذه القضية المحجة.  فمقترح تركيا، الذي يقوم على أساس تعلية سد سيزر Cizre ونقله إلى أقصى طرف الحدود السورية التركية التي يشكلها نهر دجلة،  من أجل تحويل بعض مياه دجلة لتجهز احتياجات الري السوري في منطقة الخابور،  هو ألآخر لم يلق الترحيب المطلوب من جارة تركيا الجنوبية. و يقع سد حديثة إلى أعلى مجرى الفرات عند محطة قياس التصريف في بلدة هيت في العراق، ثم يليه سد الرمادي الترابي، ثم خزان الحبانية، ثم سدة الهندية الثابتة وسدة الناصرية الثابتة قرب كربلاء،  جميعها تجهز منظومات الري (   Hadithi 1987; Yousif, 1983; Bilen , 1996 ; Altinbilek 2004 ).

و ليس ثمة من خطة للمياه ممكنة و ذات أثر واضح متوقعة تخص محيط الجداول التي جفت في المناطق الجنوبية الغربية لنهر الفرات الأسفل في العربية السعودية .

          إن الاحتياطي الكهرومائي للامتدادات العليا لبعض الروافد الشرقية لنهر دجلة في إيران بالإمكان تسخيرها، وذلك بان يجري تحويل مجراها بإقامة معامل على رؤوسها العليا، فتتحول أما من طريق سدود ثابتة تقام عليها، أو يجر تنظيم جريان مياهها بإقامة سدود عليها. ولا تتوفر لدينا معلومات دقيقة حول مخططات كهرومائية من هذا النوع. ومع ذلك فقد لا يسبب تشغيلها أية مشاكل خطيرة، طالما كان تحويل المجرى سيصب في حوض النهر نفسه آخر ألأمر. 

          أما سد الموصل، وسدتي الفتحة و سامراء الثابتتين،  فهما تقعان على المجرى الرئيس لنهر دجلة في العراق. وعلى الروافد الشرقية لنهر دجلة في العراق، والبعض منها مزود بمحطات لتوليد الطاقة، يقع سد بخمة على الزاب ألأعلى، ودوكان و دبس على الزاب ألأسفل،   ودربندخان  و حمرين وسدتي العظيم وديالى الثابتتين  تقع جميعا على نهر ديالى. وإلى الجنوب من بغداد على دجلة ألأسفل في العراق تقع سدات : الكوت ، وذبان، والغراف ، وجميعها تجهز منظومات الري بالماء (Yossif, 1983; Bilen 1996 ). أما حوض الثرثار المغلق فهو يقع في شمال غربي العراق،  ويستعمل لخزن مياه الفيضان الزائدة من دجلة، وهو يرتبط أيضا بالفرات في أغراض للري على طول جانبيه (Kolars & Michell 1991; Beaumont 1992 ). وإن الرابط بين المجريين لا بد من أن يتحقق بقناة مباشرة بين ألاثنين،  بان يجري تمرير المياه العكرة لبحيرة الثرثار لتجنب ضائعات إضافية بسبب عمليات التبخر. وتوجد بين مجريي دجلة  والفرات قناة عظيمة تسمى بـ " النهر الثالث" التي كانت قد بنيت لتوفر منظومات لتجميع مياه البزل.  و في هذا السياق،  جرى تقليص مساحة ألأهوار التي تغمر دلتا شط العرب إلى حد كبير؛ و هكذا نشأت الاهتمامات البيئية من لدن "المهتمين بالبيئة" ، بقولهم أن السدود التركية هي التي سببت هذا التقلص الخطير في مساحات أهوار شط العرب، وهو الموضوع الذي يفتقر إلى دليل جوهري.

 

5 – التأثيرات التي تتركها مخططات تركيا على بلدان أسفل النهر    

1.5 أنظمة السحب في تركيا:

          سحب المياه من حوض الفرات - دجلة في تركيا يظهر تنوعا موسميا ذا دلالة، فضلا عن انه معروف بتذبذبه من سنة إلى أخرى، على الرغم من أن النهرين يتزودان بكميات كبيرة من الماء، فضلا عن المطر،  و الماء المتدفق من ذوبان الثلوج و سحب المياه في الربيع  (E.I.F., 1955 – 1993; D.S.I., 1961 – 1995; Baran et.al, 1987; Bilen, 1996; Ozis et.al., 1999 ) .

إن سحب مياه الفرات في منطقة محطة ديوتليوكا Dutluca للسحب،  في جنوب مجرى النهر بعد سد أتاتورك، و التي تمثل حوالي خمسة أسداس تدفقات الحوض الثانوي للفرات،  تنبع في تركيا، حيث أظهرت معدلا مقداره حوالي 870 متر مكعب بالثانية خلال السنوات المائية 1937 – 1980 ، وهو معدل سنوي يتراوح بين 460 إلى 1500 متر مكعب في الثانية.  وتقترب سحوبات الماء شهريا من 4360 مترا مكعبا في الثانية (مايس 1969)، في حين تراوحت عادة بين 300 إلى 500 مترا مكعبا في الثانية خلال ثمانية أشهر من تموز وحتى شباط، وهو يقل بكثير عن المعدل، ولكنه يقل إلى حد كبير خلال شهرين هما آب و أيلول،  لدرجة أنه ينزل إلى 170 مترا مكعبا في الثانية (  Ozis, et. Al., 2000 ). وبذا، فان الخزانات الكبيرة لا بد من خلقها بإنشاء السدود على المجريين الرئيسين للنهرين، وعلى روافدهما، من أجل تنظيم سحب المياه منهما لتوليد الطاقة الكهربائية، ولأغراض الري، وللسيطرة على الفيضان (D.S.I., 1980, 1995; Fistikoglu, et. Al., 2008 ). وتزداد الطاقة المنتجة سنويا في مصانع الطاقة الكهرومائية على سفح سد طبقة في سوريا بمقدار مئات الكيلوواط/ساعة  منذ أكثر من ثلاثين سنة، مستفيدة بالأساس من ألأنظمة التي تطبق في خزان سد كيبان في تركيا.

          إن إجمالي طاقة الخزن الفاعلة للخزانات التركية ستصل آخر ألأمر إلى حدود 60 -70 كيلومتر مكعب في الفرات، وبذا، ستبلغ ضعفي المعدل السنوي لحجم التدفق المائي، وإلى 20 كيلومتر مكعب في دجلة، وهو قريب من المعدل السنوي للتدفق.

          إن طبوغرافية البلدان الواقعة في أسفل مجرى النهر، بخاصة لنهر الفرات،  لا تتيح خلق طاقات للخزن بهذا الحجم في هذه البلدان، فضلا عن أن معدل وحدة التبخر من السطح المائي هي أعلى بكثير عما هي موجودة في تركيا. إن إجمالي الخزن الفعلي في بلدان أسفل مجرى النهر ستكون بحدود  15 كيلومتر مكعب للفرات (بالأساس في سوريا)، و 20 كيلومتر مكعب لدجلة (بالأساس في العراق). وإن معدل التبخر السنوي من سطح الخزانات في تركيا يبلغ حوالي 5 كيلومتر مكعب سنويا من الفرات،   و1.5 كيلومتر مكعب سنويا من دجلة؛ و في بلدان أسفل النهر يبلغ معدل التبخر حوالي 2 كيلومتر مكعب سنويا من الفرات، و 6 كيلومتر مكعب سنويا من دجلة (Ozis, 1994 ).

          إن الخزانات المقامة في تركيا توفر فائدة ذات دلالة لبلدان أسفل مجرى النهر، من بينها الاحتفاظ بالرسوبيات، درأ مخاطر الفيضان، وزيادة في كمية الماء المتدفق عند انحساره مؤقتا. لذا، فان التبخر الحاصل من الخزانات لا يمكن اعتباره خسارة لا حاجة لها للماء، ولا يمكن اعتباره أيضا كونه نقطة ضعف من الجانب التركي.

          و بعد الانتهاء من المخططات الاستباقية، الخاصة بالماء النابع من تركيا، الذي يبلغ حوالي 13 كيلومتر مكعب سنويا أي حوالي 40 % من مياه الفرات وحوالي 16 كيلومتر مكعب سنويا أي 65 % من مياه دجلة، ستستمر بالجريان تجاه بلدان أسفل مجرى النهر،  بوصفها معدلات لجريان الماء طويلة ألأمد. ومع ذلك، لا بد من أن يضع المرء في باله دوما أن أية تخصيص لكميات الماء لا بد من تدريجها بموجب مستويات الماء المحتمل وجودها. ذلك، لأن طبيعة سحب الماء من أصل مجرى النهر تتباين تباينا كبيرا جدا، حتى بعد إنشاء منظومات الخزن الهائلة في تركيا.

2.5 استخدام الماء في البلدان المتشاطئة    

         ستستخدم تركيا،  كمعدل على المدى الطويل، حوالي 32-13= 19 كيلومتر مكعب سنويا من الحوض الفرعي الفرات،  ما يعادل حوالي( 19/37 =) 50% من إجمالي احتياطي الفرات من المياه؛ و 24- 16 = 8 كيلومتر مكعب سنويا من الحوض الفرعي دجلة،  ما يعادل (8/57=) أقل من 15% من إجمالي احتياطي مياه دجلة .  والمعدل العام هنا هو ] (19+8)/    ( 37+57)= 27/94 [ و هو اقل من 30% من مجموع معدل الاحتياطي المائي  لدجلة         - الفرات. وما هذا سوى استعمال منصف ومعقول للمياه من لدن بلد متشاطئ يقع في أعلى مجرى النهر.

          وإضافة إلى خدمته في إنتاج الطاقة وتجهيز المناطق الحضرية والصناعية بالمياه، سيساهم احتياطي المياه الموجود في الحوض الفرعي الفرات في ري 1.6 مليون هكتار في تركيا ( 450000 هكتارا في الفرات ألأعلى و 1150000 هكتارا في الفرات ألأسفل)           ( Unver, 1994; D.S.I., 1995; Altibilec, 1997 )، دون أن تحدث أي ضرر بالمتشاطئين ألآخرين.  وإذا ما أرادت سوريا، من ناحية أخرى، أن تروي ألـ 800000 هكتارا المتقدم ذكرها ( على الرغم من نوعية التربة قد تقلص هذه المساحة إلى 300- 400000 هكتار)،  لن تذهب إلى العراق في هذه الحالة سوى كمية محدودة جدا من المياه. و قد يجري تحويل لمجرى الماء المسحوب من دجلة ليصب في الخابور، وهو حوض فرعي موجود في سوريا،   وهو ما يتطلب تقصيا واهتماما، لكونه تحويل لأعلى مجرى النهر الذي يفترض به أن يذهب آخر ألأمر إلى العراق.

          و في كل الأحوال فان العراق قد يستعمل حوالي 85% من ألـ 57 كيلومتر مكعب سنويا من احتياطي مياه دجلة، طالما كانت تركيا ستروي فقط حوالي 650000 هكتارا من مياه دجلة. و هكذا،  يستطيع العراق من إرواء مساحة إجمالية قد تبلغ 3500000 هكتارا، بل وحتى انه يستطيع أن يروي مساحة أكبر من هذه بوجود التقنيات الحديثة للتوفير في مياه الري، وعلى طول عمودي دجلة و الفرات، إذ أن ألأخير يحتاج تحويل لمجرى المياه الزائد من دجلة إلى نهر الفرات.  إن أية مزاعم من لدن الدول الموجودة في أسفل مجرى النهر بخصوص تصرف زائد بالمياه من لدن الدولة المتشاطئة العليا، لا بد أن تأخذ بالحسبان الفوائد الجمة التي أصابتها البلدان في أسفل مجرى النهر من إنشاء السدود التركية ( Ozis, et. Al., 1997 ).

إن تنمية المياه وألأرض في تركيا وسوريا والعراق  ستلتهم أساسا الاحتياطي من المياه الحلوة لحوض الفرات- دجلة ؛ لذا،  فان إفراغ المياه في الخليج، إذا تبقى منها شئ، سيكون بالأساس هو الجزء الخاص بالتدفقات  المخصصة للري، بخاصة في سني الجفاف. و فضلا عن إيران        والعربية السعودية،  فان دول الخليج ألأخرى مثل الكويت والبحرين وقطر وألأمارات العربية المتحدة، بل وحتى عمان،  قد تزعم، من الناحية النظرية، وجود انحدار في الوضع البيئي.  إن الوضع الحقيقي، من ناحية ثانية، وبوجود مصافي النفط على شواطئ هذه الدول  وبوجود الناقلات التي تمخر عن سواحلها هي عناصر أبعد من أن تكون صديقة للبيئة. وبعد معرفتنا بالتنمية ألأساسية الجارية بمراعاة اعتبارات المعقولية والعدالة، بالإمكان الحصول على  بيانات المعدل المائي للموازنة المائية لسنة واحدة في الجدول رقم 1 لحوض الفرات الفرعي و في الجدول رقم 2 لحوض دجلة الفرعي ( دون ذكر أي تحويل ذي أهمية لمجرى الماء في إيران  من روافد دجلة الشرقية، ما عدا نهري الكرخة والكارون، و الأخير يعد حوضا منفصلا).

3.5 مواضيع مائية – سياسية تخص البلدان المتشاطئة

          كان كل من تركيا و العراق قد وقعا برتوكولا في العام 1946، الغاية منه وضع شروط معينة لها علاقة بالتنمية التي تجري في حوض دجلة و الفرات، غير أن هذا البروتوكول، من ناحية ثانية،  لم يجري تطبيقه من لدن الجانب العراقي، وبذا صار أثرا دارسا في الوقت نفسه.   وكانت تركيا قد اقترحت على سوريا والعراق منذ ثمانينيات القرن العشرين " خطة ثلاثية ألأطراف" للتنمية ألأساسية لحوض دجلة – الفرات و في سياق عقلاني وعادل، لكن هذه الخطة لم تحصل على الإجماع المطلوب ( Tekeli, 1990; Turan, 1993; Disisleri, 1996;Bilen, 1996; Bagis, 1997 ).

أما فيما يخص نوعية المياه، سيكون معدل الملوحة، بعد استنفاذ جميع نشاطات الري في تركيا، حوالي 700ppm ، وبذا لن يحصل أي ضرر لسوريا (Bilen, 1996 ).

و كانت تركيا و سوريا قد وقعتا بروتوكولا للتعاون الاقتصادي في عام 1987،  يغطي بندا كاملا في ( المادة 6) ، بأنه خلال ملء خزان أتاتورك، و لغاية أن تتوصل الدول المتشاطئة الثلاث إلى اتفاقية حول التخصيصات النهائية لمياه الفرات، ستقوم تركيا بإطلاق معدلا شهريا من المياه يصل إلى 500 م3   في الثانية عند الحدود السورية، في حين يجري تعويض أي تقصير يحصل في شهر معين في الشهر الذي يليه. و اتفق العراق و سوريا عام 1990 على أن يجري استخدام 42 % من كمية المياه المطلقة من تركيا في سوريا و يجري استخدام 58% منها في العراق ( Bilen, 1996 ).

 

 

الجدول رقم 1 :

الموازنة المائية التقريبية لبيانات المعدل السنوي لمياه الحوض الفرعي للفرات ( كم3 سنويا)

تدفق طبيعي في كاركاميس في تركيا

30.5

تدفق طبيعي للروافد التي تصب في سوريا

1.5

إجمالي التدفق الطبيعي النابع من تركيا

+32.0

التبخر من الخزانات الموجودة في الفرات ألأعلى

-1.0

الري في الفرات ألأعلى(450000 هكتارا)

-4.0

تدفق عائد إلى الفرات ألأعلى

+1.0

التبخر من خزان كيبان

-1.0

التبخر من خزانات الفرات ألأسفل

-3.0

الري من الفرات ألأسفل ( 1150000هكتارا)

-12.5

التدفق العائد إلى الفرات الأسفل ( إلى العمود الرئيس للنهر)

+0.5

التدفق العائد إلى الفرات الأسفل ( إلى الروافد)

+1.0

ضائعات المياه في الاستخدامات الحضرية و الصناعية

-0.5

التدفق من تركيا إلى سوريا في الفرات

+12.5

التدفق النابع من سوريا

+4.0

التبخر من الخزانات السورية

-2.0

الري في سوريا (800000 هكتارا)

-11.0

التدفق العائد في سوريا

+2.0

ضائعات المياه في الاستخدامات الحضرية و الصناعية في سوريا

-0.5

التدفق من سوريا إلى العراق في الفرات

+5.0

التدفق النابع من العربية السعودية

0.0

التدفق النابع من العراق

+1.0

التبخر من الخزانات  العراقية

نطاق صغير للري في العراق

-0.5

-1.5

التدفق من الفرات إلى شط العرب و الخليج

+4.0

 

إن جمع الماء في خزان أتاتورك يتطلب أن يبقى المصب ألأسفل مسدودا حوالي شهر لأسباب تقنية. و لقد جرى إعلام الدولتين المتشاطئتين عن أسفل عمود النهر بذلك و بذا ازداد إطلاق المياه الى 838 مترا مكعبا في الثانية في 23 تشرين الثاني عام 1989 من أجل تعويض القطع الذي يدوم 50 يوما مقدما. و بدأ ملء الخزان في 13 كانون الثاني 1990 ، ثم نسمع طوفانا من الاحتجاجات العدائية الزاعمة إن" الأتراك يقطعون مياه الفرات" يجتاح العالم العربي و بلدان أخرى.  ثم تشتد صرخات" حروب المياه،  التي لم تتوقف حتى بعد استئناف إطلاق 500 متر مكعب من المياه في الثانية في 12 شباط 1990 ( Bilen 2000a; Ozis, et. Al., 2004a ).

و تعتبر سوريا ألـ 13 كيلومترا مكعبا سنويا من مياه الفرات " حصتها " من المياه.  و إن كمية ألـ 500 متر مكعب / ثانية المؤقتة التي رسمها  بروتوكول 1987 بين تركيا و سوريا  قد يساوي أقل بقليل من 16 كيلومتر مكعب سنويا. و لكن سوريا من ناحية أخرى وافقت في العام 2000 على إطلاق 58% من تدفقات نهر الفرات الآتية من تركيا إلى العراق، و بذا ستدع تدفقا يبلغ 9 كيلومتر مكعب/ سنويا يذهب إلى العراق وتستبقي 7 كيلومتر مكعب/ سنويا لاستخدامها في سوريا. وبما إن جزءا من مياه الفرات تنبع من سوريا بمقدار 4 كيلومتر / سنويا،  ستكون سوريا بحاجة إلى زيادة إضافية من الماء تبلغ على ألأقل 2 كيلومتر مكعب /سنويا، تأتيها أما من الفرات أو من خلال تحويل لمياه نهر دجلة.

والعراق، الذي يعد نهر دجلة وكأنه إجمالا نهره لا نهر غيره، يرفض التعامل مع النهرين على أنهما حوض لممر مائي واحد. والعراق يزعم بأن على تركيا أن تزيد من إطلاق كمية ألـ 500 متر مكعب/ ثانية إلى 700 متر مكعب/ ثانية، وهكذا قد تبلغ الكمية المطلقة من تركيا حوالي 22 كيلومتر مكعب / سنويا، لكي يمر منها في الفرات 13 كيلومتر مكعب/ سنويا إلى العراق عبر سوريا. ولكن ما يجب أن نأخذه بالحسبان هو أن كمية  ألـ 500 متر مكعب/ ثانية هي مؤقتة،    و بأن معدل التخصيص المائي طويل ألأجل لا يمكن أن يكون أكثر من 400 متر مربع/ثانية. فضلا عن أن أي تخصيص من هذا النوع لا بد أن تجري برمجته كل حين طبقا لمستويات الماء المحتملة، الحاصلة بسبب التباين الكبير في الطبيعة الخزنية للمياه، على الرغم من وجود خزانات ضخمة جدا للمياه. و قد  تستطيع تركيا إطلاق كمية إضافية من المياه في السنوات العجاف، على الضد من إجراءات الوقاية المفروضة مؤقتا لبعض نشاطات ألإرواء التركية(Ozis, 1994).

إن ادارة التنمية المناطقية الخاصة بمشروع GAP في تركيا GAPBKI و المنظمة العامة لتطوير ألأراضي في تركيا كانا قد اتفقا في عام 2001 على التعاون في نشاطات مشتركة ضيقة النطاق. و ثمة اقتراحات أيضا لتوسيع عمل اللجنة التقنية المشتركة، من أجل خلق مؤسسة مشتركة فعالة تحل عن طريقها المنازعات التي تحصل بين تركيا و سوريا و العراق (Kibargoglu, 2000, 2002) .

الجدول رقم 2 : الموازنة المائية لمعدل التدفق المائي خلال سنة في الحوض الفرعي لدجلة

تدفق طبيعي في سيزر/ تركيا

17.5

تدفق طبيعي للزاب ألأعلى من تركيا

4.5

تدفق طبيعي لباقي الروافد  من تركيا

2.0

إجمالي التدفق الطبيعي النابع من تركيا

+24.0

التبخر من خزانات المياه في دجلة ألأوسط

1.0-

الري في دجلة ألأوسط (650000 هكتار)

-6.5

التدفق العائد إلى دجلة ألأوسط ( المجرى الرئيس)

+0.5

التدفق العائد إلى دجلة ألأوسط  (الروافد)

+0.5

التبخر من خزانات دجلة الشرقي

-0.5

 ضائعات المياه جراء الاستخدام الصناعي و الحضري للمياه

-0.5

التدفق من تركيا إلى سوريا و العراق في دجلة

+16.5

التدفق النابع من سوريا

0.0

الري في سوريا

-0.5

التدفق إلى العراق في دجلة

+16.0

التدفق النابع من إيران

+10.0

التدفق النابع من العراق

+23.0

التبخر من خزانات المياه في العراق

-6.0

الري في العراق (بما فيه الفرات) ( 3500000 هكتار )

-45.0

التدفق العائد في العراق (-)

+7.0

ضائعات المياه في الاستخدام الصناعي و الحضري

-1.0

التدفق من دجلة إلى شط  العرب و دلتا الخليج

+4.0

        

في سياق تطوير حوض دجلة – الفرات كان قد جرى اتهام تركيا بكونها تعمل بموجب عقيدة السيطرة المطلقة. و مع ذلك، فان كمية المياه التي تزعمها تركيا من حقها بموجب الخطط التركية هي تماما مساوية للمعدل الذي ينص عليه مبدأ الاستعمال المعقول والمتكافئ للمياه، بخاصة حين تكون الجدوى الاقتصادية للمشاريع المعدة لسلطة المياه العامة State Water Authority (DSI) الخاصة بتطبيق التقنيات الحديثة في الري الهادفة إلى استهلاك قدر أقل من الماء          ونشاطات GAPBKI في إطار خطة عملاقة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لتلك المنطقة من تركيا، مأخوذة جميعا بنظر الاعتبار (Unver & Voron, 1993; Unver, et. Al., 1003; Ozis. 1994 , 1997; Bilen, 1996; Altinbilek & Akcakoca, 1997; Ozis, et.al., 2002 ).  

6 – تأثيرات صراع المياه في الشرق ألأوسط

إن التأثير الذي تركته ندرة المياه في حوض نهر الأردن كان قد تسبب في صدور سيل من المطبوعات منذ مطلع الثمانينيات ولاحقا، يغطي أيضا حوض الفرات- دجلة، فالبعض يعد هذا الحوض بوصفه مصدرا للطوارئ من أجل التخفيف من وطء ندرة المياه في حوض نهر ألأردن (Naff & Matson, 1984; Sttar & Stoll 1987, 1988; Shalin, 1989; Kolars & Mitchell, 1999; Gruen 1991; University of Waterloo, 1992; University of Alinois, 1993 ; Sen, 1993; Bullok & Darwish, 1993; Kut, 1993; Gruen, 1993; ;…………..;…………….;……………;…………..;…………;…………….;…………….;……, etc ).

إن نهر أورونتيس الصغير نسبيا، بالاحتياطي الذي به البالغ 3 كيلومتر مكعب / سنويا تقريبا،     لا بد أيضا أن يؤخذ بالحسبان. عند التعاطي مع موضوع التخصيصات المائية في الشرق ألأوسط. ذلك، لأن تركيا تعد هنا دولة مصب متشاطئة تقع على هذا الحوض، و ليس دولة منبع  ( Baran , et. al., 1997 ). و مقترحات من قبيل الأنابيب البعيدة المسافة من حوضي شيهان  وسيهان (Donas, 1988) ، من طريق البحر من حوض مانا فاغات Manafagat (Yavusz, 1997; Yilldiz, 2006 ) ، ومن طريق الأنابيب من خزان سد أتاتورك ( Wachtel, 1993 ) هي ألأخرى أنشئت لكي تنقل مياها من تركيا إلى الشرق ألأوسط.

إن مقتربات للموضوع، تتدرج من الإشارة إلى أن المياه لا يمكن أن تكون سلعة للتجارة بموجب القاعدة الإسلامية وبأنه يجب أن يعطى إلى الناس الذين يحتاجونه، هي التي تجعل من طرح أية مطاليب إضافية على تركيا بفرض أسعار على المصدر ذاته تتجاوز مصاريف تجهزها له للدول ألأجنبية، كانت قد أثيرت عند التعاطي مع موضوع المياه في الشرق ألأوسط ( Unniversity of Wterloo, 1992; University of Illinois, 1993 )

و فضلا عن ذلك، فأن استعمال تقنيات ترشيد المياه واستيراد المنتجات الزراعية  بدلا من تنميات الري الواسعة المجال هي التي ستكون حاضرة في مناطق تعاني من ندرة المياه ومن طاقة البزل المحدودة. و في  هذا السياق، فان الإحجام  عن توسيع ألأراضي المروية في العراق والتحول إلى استيراد " الماء أفقيا Virtual water  " بشكل منتجات زراعية من مناطق ألـ GAP في تركيا مقابل النفط،  قد يصلح مثالا جيدا هنا.

و في البحث عن حل معقول ينم عن مساواة لمشكلة المياه في الشرق ألأوسط، و بتأثير من ندرة المياه في حوض نهر الأردن، و بدعم من دول المصب المتشاطئة سوريا و العراق، فضلا عن دول أخرى و منظمات أخرى داخل المنطقة و خارجها، تمارس ضغوطا على تركيا من أجل إطلاق المزيد من المياه في نهر الفرات، بخاصة زيادة الحصة ا لمقررة مؤقتا و البالغة 500 متر مكعب / ثانية، يكون من  الضروري أن يجري تقييم الاحتياطي الموجود لنهري الفرات ودجلة سوية بارتباطهما ببعضهما. ويتطابق هذا المطلب حتى مع الطبيعة المادية للمجريين المائيين، طالما كانا نهرين رئيسيين  يشكلان الحوضين الفرعيين الرئيسين لحوض دجلة – الفرات، الذي يتكون قبل دخوله  البصرة ويجري لمسافة 170 كيلومتر بوصفه مجرى وحيدا هو مجرى شط العرب ، صابا مياهه من الدلتا في الخليج.

إن البلدان المهتمة بحوض نهر ألأردن تتطلع للحصول على 2 كيلومتر مكعب / سنويا من المياه إضافة إلى 1.5 كيلومتر مكعب/ سنويا الموجودة في الحوض حاليا،  وهو ما قد يخفف من أزمة المياه في الشرق ألأوسط، حيث ابتدأ يكون لتعبير " حروب المياه water wars  " سلطان طاغ. و ما تزال ثمة، من ناحية ثانية، فروقات حول كميات نهر الفرات البالغة 37- 29 = 8 كيلومتر مكعب/ سنويا، و كميات نهر دجلة البالغة 58 -42 = 16 كيلومتر مكعب/ سنويا تخص تقديرات الاحتياطي الموجود في حوض الفرات - دجلة. ويبلغ الفرق الكلي 24 كيلومتر مكعب/ سنويا،   وهو عشرة أضعاف ما تحتاجه بلدان حوض نهر ألأردن من مياه إضافية . لذا فان تحديد الاحتياطي الدقيق لمياه حوض الفرات - دجلة يغدو " شرطا لازما prerequisite   " لأي حل " معقول ينم عن مساواة " ، يقود إلى سلام دائم في الشرق ألأوسط ( Ozis, et. Al., 2004 a, b; IMO, 2008; Ozis & Ozdemir, 2008 a,b ).

7 – الـمـواقـف الـسـيـاسـيـة الـمـائـيـة لـلـبـلـــدان و الـمـنـظـمـات ألأخـــرى

1.7 ألأمـــم الـمـتـحــــدة 

إن تطوير مجاري المياه العابرة للحدود، بخاصة حين تدخل في الموضوع تحويلات كبيرة في مجرى الأنهار، كانت قد أحدثت انشقاقات ونزاعات بين الدول المتشاطئة. وتوجد عقيدتين متعارضتين بهذا الصدد، أحداها هي " السيطرة المطلقة التي تفضلها دول المنبع، تقابلها ألآخرة و فحواها " تكامل إقليمي territorial integrity " و تفضله دول المصب، وهاتين العقيدتين ظلتا تتصارعان فيما بينهما طيلة العقود العديدة الماضية. و كان ثمة طريقة تساعد على فهم الموضوع فهما تقنيا واضحا و هي " التطوير الكامل للحوض   maximal basin development" ، وهي العقيدة التي لم تتلق ماتستحقه من تقدير.

و كانت المناقشات، الدائرة حول مبدأ " الاستعمال المتكافئ و المعقول " ، ودون أن تحدث ضررا كبيرا بالدول المتشاطئة ألأخرى، قد أطلقت عام 1966 من لدن جمعية القانون الدولي International Law Association . و تلقت دعما من لدن مفوضية القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة، وعززت هذا الدعم  عام 1992  منظمة CED  التابعة للأمم المتحدة بتبنيها مفهوم " التنمية المستدامة sustainable development ".

و أخيرا، كانت ألأمم المتحدة قد توصلت في عام 1997 إلى " معاهدة حول قانون الاستعمالات غير الملاحية للأنهار الدولية  Convention on the law of the non-navigational uses of international rivers " ( Cano, 1989; Disisleri Bakanligi, 1996; UN, 1997; Ozis, 1997; Wouters, 2000 ). إن تعريف مجاري المياه هذه على أنها " دولية international "  بدلا من " عابرة للحدود trans-boundary " كان للأسف مصطلحا مضللا ؛ ما يعني أن العديد من التقييدات و الفقرات بالإمكان إساءة استعمالها من لدن بعض البلدان المتشاطئة، وبان تضمين منظمات التكامل الاقتصادي الإقليمي في هذا ألأمر بوصفها أطرافا قد يسبب متاعب من نوع ما، وبأن ألأصوات الموافقة كانت أبعد ما تكون عن أغلبية مطلقة متماسكة، على الرغم من أن ثلاثة دول (تركيا و الصين و بوروندي ) فقط هي التي صوتت ضده. و  لم تشارك عدد من الدول في التصويت،  وامتنعت عدد منها عن التصويت،    و بعض موادها قبلت من لدن مصوتين بالإيجاب بلغ عددهم ثلث ألأعضاء في المنظمة الدولية.    و تصرفت أغلب الدول التي لها مجاري مياه عابرة للحدود على ضوء موقعها المتشاطئ على تلك ألأحواض. ولا بد من ملاحظة أنه بعد مضي أكثر من عقد، لم توضع المعاهدة موضع التنفيذ، لأن رفضها، أو القبول بها، أو تصديقها، أو الإضافة لها لم يتحقق لحد ألآن من لدن خمسة و ثلاثين دولة مثلما هو منصوص عليه في المعاهدة.

و من بين حالات مجاري المياه الكبيرة العابرة للحدود المثيرة للاهتمام في العالم، بوجود أو عدم وجود ما يوازي وضع دجلة – الفرات هي التالية:

(أ‌)         حوض نهر النيل،  بوجود ستة دول استوائية ( تانزانيا و بوروندي و رواندا       والكونغو الديمقراطية الشعبية و كينيا و أوغندا ) و اثيوبيا و السودان و مصر.

(ب‌)                       حوض نهر الهندوس بين الهند و الباكستان.

(ت‌)          حوض نهر الميكونغ بين الصين و مانيمار و تايلاند و لاوس و كومبوديا         وفيتنام.

(ث‌)          حوض نهر بالاتا بارانا بين البرازيل و بوليفيا و بورغواي و اروغواي          وألأرجنتين.

(ج‌)      حوض نهر الدانوب، بوجود المانيا والنمسا والجيك وسلوفاكيا وهنغاريا وسلوفينيا    وكرواتيا والبوسنا ومنتينيغرو وكوسوفو وصربيا وبلغاريا ورومانيا وأوكرانيا ومولدوفيا ( مع بولندا و سويسرا و ايطاليا و البانيا و مقدونيا بوصفها دول منبع متشاطئة بسبب بعض الروافد الثانوية الموجودة بها ).        

2.7 ألأعضاء الدائمون في مجلس ألأمن التابع للأمم المتحدة

لنهر كلورادو مكانة خاصة في التاريخ السياسي المائي للولايات المتحدة ألأمريكية بشقين، الشق الخاص بالنزاعات بين دول الاتحاد ألأمريكي والشق الخاص لمنازعات بين الولايات المتحدة    والمكسيك. إن الاتفاقية الموقعة حول مياه نهر كلورادو، حيث تحتل الولايات المتحدة،  في الواقع، دور دولة منبع، و المكسيك بوصفه دولة مصب متشاطئة،  تعد أحد ألأمثلة المشهورة في مجال تنظيم تخصيصات المياه. والولايات المتحدة هي أيضا الدولة المتشاطئة المنبع لنهر بيو غراند، الذي يشكل فيما بعد جزءا كبيرا من الحدود مع  المكسيك. والولايات المتحدة هي دولة المصب المتشاطئة في نهر كولومبيا، حيث كندا هي دولة المنبع المتشاطئة.

و في حالة حوض الفرات – دجلة، فأن الولايات المتحدة لا تدعم حليفها " الإستراتيجي " تركيا، و إنما تعمل لصالح العراق (أو بالأحرى المنطقة الشمالية من العراق) ولصالح بعض دول حوض نهر ألأردن أيضا. إن مناقشة تأسيس دولة جديدة مستقلة في  شمال العراق  من أجل تقوية مركز إسرائيل في  المواجهة  العربية الإسرائيلية، و لتأسيس كتلة إقليمية لمشروع الشرق ألأوسط الكبير (الذي من المفترض أن تترأسه تركيا) لضمان إمدادات النفط  و مصادر الغاز الطبيعي و أنابيب النفط في الشرق الأوسط، التي هي خارج اهتمامات هذه الورقة. و مع ذلك، فان نشر مقالة في مجلة القوات المسلحة للولايات المتحدة ( بيترز 2006)، ومعها خارطة تظهر اغلب مناطق أحواض الفرات- دجلة و كورا- آراكس وكوروه على إنها أراض تابعة لولاية "كردستان الحرة" القادمة، لا يمكن في الواقع تفسيرها على أنها مجرد رأي يبديه كاتب متقاعد كان ذات يوم كولونيل في الجيش ألأمريكي، و لا يمكن أخذه أيضا على انه ينسجم مع قضية تحالف، ضمن قضايا أخرى، امتد إلى أكثر من نصف قرن بين الولايات المتحدة و تركيا ضمن حلف الناتو. وما على المرء إلا أن يتخيل ردود ألأفعال في  البلدان ألأجنبية، إذا ما حصل        ونشرت في مجلة القوات المسلحة التركية مقالة، بها خارطة تظهر إن بلاد ما بين النهرين ما هي إلا " تركيا العظمى "،  لكي توضح أن إدارة أكثر فعالية لحوض دجلة- الفرات لا تتحقق إلا حين يبقى هذا الحوض تحت السيطرة التركية مثلما كان تحت  السلطة  العثمانية.

إن الاتحاد الروسي هو بالأساس البلد المصب  المتشاطئ مع كازاخستان التي هي البلد المنبع لحوض أوب- آيرتش  Ob- Irtys؛ وهو البلد المتشاطئ مع اوكرانيا البلد المنبع لنهر الدون حيث تنبع فيها بعض روافده ؛ وعلى بحيرة بيبوس Peipus Lake (مادين 2006) هو المتشاطئ مع استونيا حيث تكون البحيرة الحدود بينهما، وجمهورية لاتيفيا هي البلد المنبع المتشاطيء ألآخر على البحيرة. وكان قد مر ذكر معاهدة 1927 بين تركيا والاتحاد السوفيتي السابق حول تنمية رافد آرباخاي Arpacayh و هو أحد روافد حوض كورا- آراكس. وتدير روسيا حاليا علاقات ودية مع تركيا، تتخطى مواضيع المياه من ناحية،  لكي تنسحب على علاقاتها بالشرق ألأوسط من ناحية أخرى.

و تحتل جمهورية الصين الشعبية مكانة خاصة في مسألة مجاري المياه العابرة للحدود. فخمسة أنهار عظيمة تنبع من هضبة التيبت. اثنان منهما، هيوانغ هي Huang –He ( النهر ألأصفر)   وشانغ جيانغ  Chang Jian(نهر يانغتسي) يجريان بالكامل في أراضي الصين. أما الأنهار الثلاثة ألأخرى فهي مجاري مياه عابرة للحدود، بواقع أن الصين هي بلد المنبع لهما و بذا هي البلد المتشاطئ في أعلى مجرى النهر. و يشكل نهر لانكانغ جيانغ Lacang-Jiang (نهر الميكونغ) الحدود بين الصين و ماينمار، ثم بين ماينمار ولاووس، وتايلاند ولاووس، ثم يجري في كمبوديا، وفيتنام لينتهي في بحر الصين الجنوبي. أما نهر نو- جيانغ Nu-Jiang  (نهر سالوين) فيجري في  ماينمار و ينتهي  في بحر اندامان. و نهر زنكبو جيانغ (نهر براهما بوترا) فيعبر الحدود إلى الهند ثم إلى بنغلادش؛ ثم مع بوتان بوصفه البلد المتشاطئ في أعلى مجرى النهر على بعض الروافد الصغيرة، ثم ينضم إلى دلتا نهر الكنج ليصب بعدئذ في  خليج البنغال.        و كانت الصين قد صوتت هي وبوروندي ضد معاهدة 1997 التي نظمتها الأمم المتحدة. غير إن احتياجاتها لواردات النفط،  وبسبب اهتمامها بمصادر النفط في منطقة الخليج، مثلما يبدو أجبرتها على تحجيم دعمها لتركيا فيما يخص حوض الفرات - دجلة.

إن موقف الدولتين ألأخريتين، العضوين الدائمين في  ألأمم المتحدة، وهما المملكة المتحدة        وفرنسا، سيجري التعاطي معهما من خلال الاتحاد ألأوروبي.

3.7 الاتـــحــــاد ألأوروبـــــــي    

كانت تركيا قد قبلت قبل أكثر من أربعين عاما مضت، بوصفها دولة مرشحة لتكون عضوا في الاتحاد ألأوروبي؛ ومع ذلك فما تزال تفاوض من أجل الحصول على العضوية كاملة. وبعض الدول الأعضاء في الاتحاد ما تزال تعارض بقوة حصول تركيا على تلك العضوية، مسببة إحباطا شديدا لدى الأتراك، ما يجعل عزيمتها تفتر في دخول الاتحاد ألأوروبي. وإن أمر التعاطي في هذا الموضوع  يقع خارج نطاق هذه الورقة، غير أن بعض المواقف نجدها على ارتباط، إلى هذا الحد أو ذاك، بموضوع حوض الفرات - دجلة.

في البداية، لا بد من ملاحظة أن العديد من دول الاتحاد ألأوروبي، التي من المفترض بها أن تكون حليفة تركيا في  حلف الناتو، نجدها قد فتحت أراضيها، أو قدمت الدعم إلى المنظمات الإرهابية لعقود طويلة. و مع أن مثل هذه الأعمال الإرهابية تطال جميع أنحاء تركيا، إلا أنها تتركز على نحو رئيس في  المناطق الجنوبية الشرقية، حيث تشتد بمجرد أن تشرع تركيا في تطوير الموارد المائية في هذه المنطقة. ويصح هذا على نحو خاص فيما يتعلق بإقامة سد أتاتورك و مخططات الري ذات الصلة، والتي ستكون الدافع القوي في تنمية المنطقة اقتصاديا   و اجتماعيا. إذ إن أكثر من 30000 من المواطنين ألأتراك، من مختلف المجموعات الأثنية، كانوا قد لاقوا حتفهم، مدنيون أو من قوات ألأمن، على أيدي الإرهابيين خلال الربع ألأخير من القرن العشرين. و في بعض البلدان ألأجنبية،  وبضمنها بلدان عديدة أعضاء في  الاتحاد ألأوروبي ما تزال الأعمال الإرهابية في تركيا تسمى أعمال يقوم بها " متمردون" أو قد يسمونهم حتى " مناضلون من أجل الحرية" !.

إن انهيار الإمبراطورية العثمانية التي دامت ستة قرون في عام 1920 في معاهدة سيفرز Treaty of Severs ، المكرسة من لدن المملكة المتحدة و فرنسا وبعض الدول ألأوروبية ألأخرى لتقسيم الإمبراطورية إلى دول جديدة متعددة ومناطق نفوذ، وبذا لم تترك سوى مناطق صغيرة  الأراضي في وسط بلاد ألأناضول لإنشاء الدولة التركية. ولقد رسمت المعاهدة، من بين ما رسمت، على أن تكون حتى ألأنهار في هذه ألأراضي تحت رقابة الدول الأوروبية. ولقد نجم من حرب الاستقلال في عام 1923 توقيع معاهدة لوزان،  التي أبطلت معاهدة سيفرز وفتحت الطريق أمام تأسيس الجمهورية التركية الحالية. إن ألإعلانات الصادرة من الاتحاد ألأوروبي التي تقترح إدارة مشتركة لحوض دجلة- الفرات، تثير ذكريات عن معاهدة سيفرز وتثير الانزعاج لدى تركيا. وحتى بلد مثل ألمانيا، التي لم تكن طرفا في معاهدة سيفرز، ولديها أكبر جالية من الأتراك في أوروبا، لا تدعم تركيا في المسائل الخاصة بحوض الفرات - دجلة.

و كانت المفوضية الاقتصادية ألأوروبية التابعة للاتحاد ألأوروبي قد تبنت منذ العام 1992 وما تلاه سلسلة من القرارات والتوجهات، وأغلبها لها علاقة بموضوع كمية المياه والتأثيرات البيئية (UN/ECE 1997) ، وبموقف صديق للبيئة كلازمة لإعاقة إنشاء أي سد في حوض دجلة-  الفرات؛ و حالة سد أليسو  Ilisu Dam على نهر دجلة هو مثال نموذجي لهذا ألأمر.

وتتوقع تركيا أن تقوم أنظمة الحماية البيئية الخاصة بالاتحاد ألأوروبي بخلق حالة تشبه حالة الدانوب العابر للحدود لا يستخدم سوى على أنه مجرى لمياه المجاري في وسط أوروبا.

4.7 مؤسسات دولية أخرى

و تقبل معاهدة الأمم المتحدة لسنة 1997 منظمات التكامل الاقتصادي الإقليمية على أنها أطراف في المعاهدة، وهكذا يكون من حقها الدخول في مفاوضات تخص مواضيع مجاري المياه العابرة للحدود. فضلا عن إن ألاتحاد ألأوروبي، ومنظمات أخرى، بغض النظر عما إذا كانت تركيا عضو فيها أو لا، مثل منظمة التعاون الاقتصادي لدول البحر ألأسود، ومؤتمر الدول الإسلامية، والجامعة  العربية، وغيرها،  يبدو أن لديهم الرغبة في محاولة التأثير في موضوع دجلة -  الفرات.

و إلى جانب نشاطات تقوم بها  منظمات مهنية دولية، مثل الجمعية الدولية للموارد المائية،  حصل ضغط سياسي أتى إلى الواجهة عام 1996 عند تأسيس منظمتين دوليتين،  ومن الواضح أنهما غير حكوميتان، و هما : المجلس العالمي للمياه World’s Water Council الذي تأسس في مارزييلي، والذي حصل فيما بعد على دعم حكومات العديد من  البلدان. وعادة ما ينظم المجلس العالمي للمياه " ندواته حول المياه العالمية" ؛ التي ستعقد الندوة الخامسة منها في اسطنبول. و كانت " الشراكة العالمية للمياه  Global Water Partnership  " قد تأسست في ستوكهولم، بمناسبة انعقاد ندوة ستوكهولم للمياه في تلك  السنة.

و تحاول العديد من المنظمات غير الحكومية، دولية و محلية، تتعاطى بالأساس مع مواضيع الحماية البيئية، أن تضع العراقيل أمام إنشاء السدود في تركيا،  مثلما حصل مع بعض المشاريع الكبرى التي يجري إنشاؤها على حوض الفرات - دجلة.

8. اســتــنــتــــاج

إن مشاريع التنمية الخاصة بالموارد المائية العابرة للحدود في تركيا، بما فيها مشروع جنوب-شرقي الأناضول GAP ، تتفق بالأساس مع المبادئ التي وضعتها الأمم  المتحدة الخاصة بالاستعمال العادل والمعقول للمياه. فضلا عما توفره السدود في تركيا أيضا من فوائد للبلدان الواقعة في أسفل مجرى النهر، مثل الاحتفاظ بالرسوبيات، ودرأ مخاطر الفيضان و تنظيم تدفق التصاريف.

إن التنمية في حوض ا لفرات - دجلة في تركيا ما هي، في الواقع، إلا وسيلة للتعاون وليست سببا للنزاع في المنطقة. فالمنتجات الزراعية والصناعية لهذه التنمية ستستخدم لتلبية احتياجات العديد من بلدان الشرق ألأوسط. و إن توليد المزيد من الطاقة الكهرومائية الثانوية في سنوات توفر المياه قد يقلل من استهلاك النفط وأنواع الطاقة الأحفورية ألأخرى في العديد من المناطق. وفي سنوات  الجفاف الشديد، قد تستطيع تركيا إطلاق كميات مياه من طريق حجبها لبعض النشاطات ألأروائية المحلية.  وهكذا، تتبدى لنا أزمة المياه في الجزء الخاص بما بين النهرين في منطقة الشرق ألأوسط وكأنه موضوع يراد المبالغة به، مقارنة بمواضيع النزاع الأخرى الجارية في المنطقة.

إن النزاعات الجارية حول التخصيصات المائية فيما بين الدول المتشاطئة ومواضيع تحويل مجرى المياه من نهر دجلة إلى الفرات وبالتالي من الفرات إلى حوض ألأردن، تضع موضوع حوض الفرات - دجلة في واجهة المصالح الدولية الجارية في المنطقة. إن الاحتياطي المائي من  المياه العابرة للحدود في حوض دجلة- الفرات غالبا ما يجري اقتباسه بطرق مختلفة باختلاف المصادر المعنية بهذا الموضوع؛ ومن هنا تنشأ الحاجة الماسة إلى التحديد المسبق الدقيق لحجم هذا الاحتياطي المائي قبل الحديث عن أية تخصيصات مائية. و فضلا عن ذلك، إن أي تخصيص مائي لا بد من أن تجري جدولته زمنيا طبقا لمستوى الاحتمالات الواردة، ذلك لأن السحوبات المائية التي تختلف تبعا لطبيعة الخزين المتوفر و لطبيعة السحوبات، حتى بعد التنظيم الذي اجري على السدود الضخمة في تركيا.

إن من يقف وراء الدول التي تمر بها مجاري المياه عدد كبير من اللاعبين بخاصة ألأجانب منهم، إذ يحاولون التأثير على الوضعية في حوض الفرات - دجلة، و أغلبها ضد حق تركيا المشروع، في إنشاء مشاريع مبنية على أسس العدالة والمعقولية، في مسعى منها لصياغة سياسة خارجية خاصة بها  ذات علاقة وطيدة بمصالح السياسية- المائية.

واجــــب الــشــكـــر

يتقدم المؤلفون بالثناء على الدعم والتشجيع اللذين تلقوهما حول مواضيع تخص ألأنهار العابرة للحدود بخاصة حول مشروع جنوبي- شرق الأناضول، وإلى إدارة وأعضاء : جامعة ديكوز ايلول و أيج، أعمال الدولة المائية،  وسلطة مسح ألأعمال الكهربائية، شركة الكهرباء التركية،     ومشروع ألأناضول الجنوبي/ إدارة التنمية المناطقية، وشركة عطا للإنشاءات، والغرفة التركية للمهندسين المدنيين، وأخيرا و ليس آخرا لجميع زملائهم و طلبتهم السابقين، الذين تظهر أسماؤهم غالبا في مراجع بحوثهم.          

   

  

 

           

    

 

 

                   

 

(3)

نموذج هيدرولوجي - مناخي لمستجمع امطار دجلة- الفرات لدراسة الموازنات المائية

 

م. ل. كافاس[2]

ز. ك. شين[3]

م. ل. أندرسن[4]

ن. أوهارا[5]

جي. ي. يون[6]

 

خـــلاصـــــــــة

على خطى التوصيات التي قدمها UNEP والبنك الدولي، كان مستجمع أمطار دجلة- الفرات قد أتخذ في هذه الدراسة على أنه وحدة مائية واحدة، و جرى انجاز تقييم علمي شامل للموارد المائية الموجودة في هذا المستجمع. و بناء على هذا تناولت الدراسة ما يلي:

(1) تقديم جرد باستعمال ألأرض/ غطاء ألأرض، و الإنبات، و أنواع التربة، و ما انجز من بنى مائية موجودة حاليا في المستجمع؛

(2)  تقديم نمط أو موديل مائي- مناخي مناطقي لحوض دجلة- الفرات RegHCM-TE ،      و تطويره ليلائم المستجمع، و استعماله فيما بعد  لاعادة بناء بيانات تاريخية متشاركة، من  أجل إيجاد موازنة هيدرولوجية للتقديرات المائية لغرض  النفاذية infiltration ،   و خزن مياه التربة، و التبخر الفعلي الحاصل في أثناء عملية النتح evapotranspiration  ،  وماء المطر بوصفه أحد المدخلات المباشرة  في تقديرات جريان الماء، و لوضع التقديرات  المناسبة لاحتياجات مياه الري؛

(3)  و جرى تطوير موديل مائي من أجل توجيه عمليات الجريان ضمن شبكة النهر الذي يجري في المستجمع بأكمله.

و جرى أيضا وضع طريقة مقننة في الرياضيات (خوارزمية) لتشغيل منظومة خزانات المياه الموجودة ضمن المستجمع. و استخدمت (طالما كان النمط الهيدرولوجي مستعملا) لإجراء دراسات عن ديناميكا الموازنة المائية للمستجمع بأكمله و سيناريوهات لأية مقادير من المياه يجري تجهيزها/ طلبها، من أجل ايجاد استخدام كفوء للموارد المائية الموجودة في المستجمع لتلبية الطلبات على الماء من لدن الأطراف المتشاطئة على الحوض المائي. و ضمن اطار هذا التوازن المائي الديناميكي، سيكون من الممكن وضع تقويم التاثيرات الكمية لعمليات جريان الماء المتتالية على التوازنات المائية المتتالية زمنيا في المستجمع بأكمله. و جرى تقديم دراسة عن التوازن المائي في حال تطابقه مع ظروف الجريان الطبيعي  التي كانت سائدة قبل تطوير السدود الكبيرة الموجودة في حوض دجلة- الفرات خلال المدة الحرجة 1957- 1969.

المصطلحات الرئيسة المستعملة: موديل مائي- مناخي  hydro climate model ، نمط الثلج  snow model ، نمط مائي Hydrological model ، اعادة بناء البيانات data reconstruction ، ونظام المعلومات الجغرافية  GIS ، مستجمع أمطار دجلة- الفرات Tigris- Euphrates Watershed، الموازنات  المائية water balances ، تشغيل الخزان المائي reservoir operation       

1 – الــخــلــفــيــــة

بسبب وجود مواضيع سياسية مختلفة تخص حوض نهر دجلة- الفرات،  لا تتوفر  بيانات دولية تخص الماء الجوي hydro meteorological  الموجود في هذه المنطقة،  وهي ضرورية لإجراء أية دراسات يعول عليها عن التوازن المائي الموجود في المنطقة، لتغطي الحقبة المطلوب تغطيتها زمانيا ومكانيا. لذا، فبالامكان اعادة بناء مثل هذه البيانات عن المياه الجوية من خلال تفكيك ما يتوفر من معلومات مكانية خام عن بيانات جوية تغطي  (~285 كيلومتر) وردت من المركز الوطني للتنبؤ البيئي  في الولايات المتحدة US National Center for Environmental Prediction  تصل وضوحية شبكتها الى ~ 15 كيلومتر على مساحة 967,341 كيلومتر مربع من حوض نهر دجلة- الفرات بوساطة نمط مائي- مناخي يخص المنطقة. والى جانب اعادة بناء بيانات جوية تاريخية ( كميات سقوط المطر، درجة حرارة الهواء، الريح، الاشعاع، الرطوبة النسبية)، قد يكون بالامكان استعمال النمط المائي- المناخي لمحاكاة العمليات المائية الجارية، من قبيل  ذوبان الثلج، و الحصر interception ، التنافذ،    و جريان مياه التربة، ومياه المطر المطرد، والتبخر عند النتح، وظروف الطلب على المياه فوق منطقة مستجمع أمطار دجلة- الفرات بالكامل. ان عمليات الجريان في  أراض تحدد شبكة العمل الخاصة بالتدفق  في المستجمع والتي بالامكان محاكاتها بايجاد موديل مائي-مناخي، وبالامكان فيما بعد أيضا توجيهها بوساطة المقياس المستعمل في توجيه النهر، من أجل محاكاة الجريان في مناطق مختارة من النهر تشمل جميع مناطق مستجمع ألأمطار.

و بذا يكون بالامكان دراسة التوازنات المائية بوساطة النمط المائي- المناخي في جميع مناطق مستجمع أمطار دجلة- الفرات، و مهما كان نوع السيناريو الموضوع لتنمية الموارد المائية.      و هكذا جرى تطوير موديل مائي- مناخي مناطقي لمستجمع ألأمطار، ولنسمه موديل دجلة- الفرات المائي- المناخي المناطقي RegHCM-TE . ولهذا النمط خمسة مقاييس modules أساسية : مقياس جوي، ومقياس ثلجي، ومقياس تربة/انبات، ومقياس نهري. وسيكون بامكان المقياس الجوي الموجود في نمط دجلة- الفرات المائي- المناخي ألمناطقي بتزويد مقياس التربة/الإنبات بما يحتاجه من المدخلات الجوية،  من قبيل : كميات سقوط المطر بحسب توزيعها المكاني، ودرجات الحرارة، والإشعاع،  ومناطق الرطوبة والريح في الزمان والمكان تحديدا.   و تعد هذه المدخلات أساسية للحسابات المتعلقة بعمليات هيدرولوجية من قبيل: التبخر عند النتح،  و مقدار ما يسيح من ماء المطر،  الخ. و  يقوم مقياس الثلج الموجود في نمط دجلة- الفرات المائي- المناخي المناطقي بتقدير عمق حزمة الثلج الموجودة،  وذوبان الثلج،  ونسبة الغطاء الثلجي، وذلك باستعمال طريقة توازن الطاقة. أما مقياس التربة/الانبات الموجود في نمط دجلة- الفرات المائي- المناخي المناطقي ، فبامكانه التنبؤ بطرق توزيع الرشح الى داخل التربة،         و بالصورة الجانبية لمحتوى ماء التربة، وخزين التربة من المياه، وحجم مياه المطر السائحة مباشرة، ودرجة حرارة التربة،  ومعدلات التبخر عند عملية النتح، بموجب ما موجود من كميات مائية محسوبة اقليميا على ضوء السلم الموضوع لشبكة حسابات المنطقة. ويعمل مقياس التربة/ الانبات بتمامه بازدواج مع الجزء ألأدنى من المقياس الجوي من خلال عنصر أساس حدي وضع نطاقه مونين- أوبيوكوف Monin- Obukhov و بموجب مخطط الانحراف ألأفقي الذي وضعه بلاكادار Blackadar(Kavvas, et. al., 1998) . وبامكان مقياس التربة/الانبات الموجود في نمط دجلة- الفرات المائي- المناخي المناطقي ان يقيس كميات المياه المستهلكة في سقي المحاصيل في المنطقة، ومعرفة كميات المياه المراد سحبها من الأنهار بوساطة شبكة المياه.     وبامكان مقياس النهر ان يوجه جريان المياه في الأنهار من خلال شبكة من السواقي،             و البحيرات،  والخزانات الموجودة في حوض النهر. و بذا يكون بالامكان أيضا معالجة عمليات تحويل مجرى المياه من ألأنهار. ان تطبيق النمط المائي- المناخي المناطقي لدجلة- الفرات في دراسة للتوازن المائي في حالة تطابقه مع  ظروف الجريان الطبيعي للمياه في ما قبل تطوير السدود الكبرى في حوض دجلة- الفرات، خلال المدة 1957- 1969 سيظهر لنا نوع الحقبة الحرجة التي سنمر بها.

 

 

2 – تـحـلـيـل حـقـبـة حـرجـة يـمـر بـهـا

                             مـسـتـجـمـع أمـطـار دجـلـة- الـفـــرات

طالما كان من الضروري وضع تقويم لما يتوفر من مياه في حوض نهر دجلة- الفرات وتحت الظروف التاريخية التي يمر بها  بأكثر اشكال العجز المائي والفيضان، من أجل ايجاد مبدأ تقوم على اساسه عملية اتخاذ القرار حول تخصيصات المياه للدول المتشاطئة على هذا الحوض، إذ بات من الضوري ايضا اختيار حقبة جافة حرجة تاريخيا واختيار حقبة أخرى رطبة حرجة تاريخيا تمران على جميع مناطق هذا الحوض لكي تكونا أساسا لاتخاذ القرارات. وقد يجري تعريف الحقبة الجافة كونها حقبة يتوفر فيها أقل مقدار من الموارد المائية في السجل التاريخي للحوض، في حين تعرف الحقبة الرطبة كونها يتوفر فيها أكبر مقدار من المياه الفائضة خلال السجل التاريخي للحوض. وتمثل مثل هاتين الحقبتين أكثر الظروف تطرفا تظهر في عموم مناطق الحوض. وأنه في خلال مثل هاتين الحقبتين تظهر التحديات ألأعظم في تلبية ما يظهر من طلب على الموارد المائية. ان ما يتوفر من البيانات عن كميات سقوط المطر وجريان الماء هو محدود جدا عن حوض نهر دجلة- الفرات بأكمله.ومن ألأهمية بمكان ملاحظة أنه بالنسبة الى الدراسة الخاصة بالتوازن المائي التي ستغطي حوض نهر دجلة- الفرات بالكامل، فانه من الضروري الحصول على بيانات تاريخية عن جريان الماء من المواقع المهمة الواقعة على النهر (ما يعد منها مهما لدراسات التوازن المائي والفيضان) و ضمن حوضه. وبعد بحث دولي شامل ومضني عن البيانات الخاصة بجريان المياه  في جميع مناطق حوض نهر دجلة- الفرات، كان قد وجد أن أغلب البيانات الشاملة في الظروف الطبيعية (قبل انشاء السدود على الحوض)  متوفرة للحقبة 1937- 1972. من هنا فان المؤلفين كانوا قد درسوا سجلات التدفق المائي المتوفر لهذه الحقبة  من أجل معرفة الأوقات الحرجة التي مرت على الحوض. وطالما كانت هذه ألأوقات الحرجة قد مرت على ينابيع كلا هذين النهرين دجلة و الفرات، فان تحليلات الوقت الحرج المتوفرة في محطات النهر  الواقعة في القطاع التركي لنهري دجلة و الفرات كانت قد انجزت لمعرفة ألأوقات الحردة  للجفاف والرطوبة في مستجمع أمطار نهري دجلة و الفرات. وبعد ذلك، و لغرض التحقق، جرت مقارنة ألأوقات الحرجة بتلك المسجلة في محطة تسجيل هيت Hit ،    و هو السجل ألأطول المتوفر في مستجمع أمطار دجلة و الفرات. ومن اجمالي منحنى التحليلات و التحليلات الخاصة بزيادات/ عجز التدفق الشهري من التسجيلات التاريخية للتدفق في مواقع مختلفة في القطاع التركي،  كانت تسجيلات الحقبة 1957- 1969 ( بلغة السنوات المائية) قد شخصت كونها حقبة الجفاف الحرجة، في حين كانت السنة المائية 1969 قد عرفت بكونها  سنة الرطوبة الحرجة. ثم جرى فحص سجل التدفق في محطة هيت في العراق و من هذا الفحص،  تبين على نحو قاطع في السجل الدائمي  لمحطة هيت بأن الشهر ألأكثر رطوبة خلال الحقبة 1924- 1973 هو شهر مايس للعام 1969. وعند تحليل سجل هيت يتضح بأن السنة الأكثر جفافا  هي سنة 1937 ، حين ابتدأت المتابعة التركية لحالات التدفق في السنة المائية 1960- 1961 (و هي سنة تقع في الحقبة 1937- 1973). وبالنتيجة، تعد  الحقبة 1957- 1969، ضمن الاطار الذي توفره بيانات محدودة لحالات التدفق في مستجمع أمطار دجلة و الفرات،     و هي الحقبة الحرجة للجفاف/ الرطوبة (بلغة السنوات المائية)، بكونها أفضل خيار تلجأ اليه الدراسات الخاصة بالموازنة المائية الديناميكية/ تشغيل السدود في جميع مناطق مستجمع نهر أمطار دجلة- الفرات.

3 -  الظروف الجوية المحيطة بمستجمع أمطار دجلة- الفرات

و في السنوات الأخيرة،  كان كل من المركز الوطني للبحوث الجوية في الولايات المتحدة  NCAR US و NCEP قد قاما منذ العام 1948وحتى الوقت الحاضر بإيجاد بيانات جوية تاريخية لجميع أنحاء العالم عند بقعة جوية تقريبية  تقع على خط العرض  2.50 x خط الطول 2.50 بفضلات تمتد إلى 6 ساعات. ان اعادة تحليل البيانات  التي توصل اليها NCEP/ NCAR جاء مبنيا على تحليل لمصادر للبيانات من قبيل: سطح الأرض، السفن،  المسبارات،  المناطيد،  الطائرات، وألأقمار الصناعية. ولقد جرى استيعاب هذه البيانات  في موديل دورة عالمية من أجل ايجاد قاعدة للبيانات الجوية تلائم بين الزمان و المكان. ففوق مستجمع أمطار دجلة- الفرات، توازي الصور التقريبية لخطي الطول و العرض 2.50 مسافة قدرها 285 كيلومتر. وبوجود صورة فضائية تقريبية غير واضحة يكون من المستحيل الحصول على تفصيلات جوية مكانية مهمة للظروف الجوية التاريخية، طالما كانت المتغيرات الجوية تتأثر الى حد بعيد بالتضاريس ألأرضية المعقدة والظروف التي يمر بها وجه ألأرض ضمن حوض هذين النهرين. و مع ذلك، فان مجموعات بيانات تلك الصور التقريبية الجوية غير الواضحة بالامكان استعمالها شروطا أولية وحدا لنطاق وسطي تبنى عليه موديلات للديناميكيا الجوية، من أجل اعادة تشكيل بيانات جوية تاريخية ملائمة في صور تقريبية مؤقتة للمكان. ولقد نجحنا في مقياس تدرجي لمجموعات بيانات الصور الجوية التاريخية التقريبية غير الواضحة المتوفرة عند NCEP/ NCAR المأخوذة فوق منطقة  مستجمع أمطار دجلة و الفرات في ساعات صفاء الجو المؤقتة ومن مسافة 15 كيلومتر للحقبة الحرجة التاريخية التي مرت بها المنطقة منذ تشرين ألأول 1956 الى أيلول 1969.  وهكذا جرى اعادة بناء مجموعة بيانات مائية من طريق الجو لحوض دجلة والفرات استناد الى صور واضحة لكي يكون بالامكان اجراء دراسات عن الموازنة المائية تغطي هذه الحقبة. ان مقياسا جويا للنمط المائي- المناخي المناطقي يوظف  MMS (Dudhia 1993) بوصفه أحد مكونات الموديل الجوي للنمط المائي- المناخي المناطقي ، والمكونات المائية للأرض  في للـ IRSHAM ألأصلية (Kavvas et al. 1998)  بوصفها المكونات المائية للأرض. ويعد MMS  (الجيل الخامس من Penn State mesoscale model / NCAR) قادرا على نحو ديناميكي على إيجاد مقياس لمجموعات البيانات الجوية التقريبية غير الواضحة  لمنطقة ما بحيث تبدو  صورة تقريبية واضحة جدا للمكان. ويعد ألـ  MMS موديلا مائيا غير جامد ومكافئ يتابع التضاريس الأرضية مصمم أصلا ينبه إلى، أو يتنبأ بالنطاق الوسطي للدورة الجوية الموجودة في نطاق المناطق لأية بقعة على ألأرض. وتعد الظروف الجوية التاريخية ذات العلاقة في مستجمع أمطار نهري دجلة والفرات خلال حقب تقع بين عامي 1965 و 1967 أفضل أمثلة عن المصادقة على ما قدمناه هنا، مقارنة بما هو متوفر من ملاحظات تاريخية مقحمة سجلت خلال هذه الحقبة. ونلاحظ في الشكل رقم 1 ان كميات سقوط المطر التي جرت ملاحظتها شهريا (في ألأعلى) وكميات سقوط المطر التي جرى الانتباه اليها شهريا (في الأسفل) في مستجمع أمطار دجلة والفرات للمدة من كانون الثاني 1967 الى آذار 1967  للمقارنة بينهما  بوصفهما حالة نموذجية. وفي هذا الشكل بالامكان ملاحظة أن حقول كميات سقوط المطر التي جرى الانتباه اليها  تتطابق تطابقا تاما مع الحقول التي كانت تحت الملاحظة. وفي هذه  ألأشكال بالامكان ملاحظة أن كميات سقوط المطر في مستجمع أمطار دجلة والفرات لا تحدث في تركيا فحسب، بل في منطقة سلسلة جبال زاغروس Zagros    أيضا بالقرب من الحدود  مع العراق   و ايران. و من هنا، فان الروافد الموجودة بالقرب من الحدود مع العراق و ايران بامكانها أن تزود حوض دجلة و الفرات بمقادير لا يستهان بها من المياه. وعند عقد مقارنة درجات الحرارة الشهرية التي جرت ملاحظتها وتلك التي جرى الانتباه اليها،  وبالمعدلات التي وصلت اليها فوق مستجمع أمطار دجلة و الفرات بأكمله، نجد أنها أعطيت ( الشكل رقم 2)  لتغطي حقبة ثلاث سنوات تمتد من 1965 الى 1967. ان الدورة السنوية لدرجات الحرارة الشهرية بالامكان الانتباه اليها جيدا من خلال الموديل المقدم.

4 – الثلج و ذوبان الثلج  فوق مستجمع أمطار دجلة و الفرات

تعتمد الموارد المائية في أغلب مناطق مستجمع أمطار دجلة والفرات  على كميات سقوط المطر شتاءا وذوبان الثلوج ربيعا. وغالبا ما يجري خزن مياه الأمطار الشتوية الساقطة على جبال طوروس و زاغروس  على هيئة ثلوج لغاية مجئ الربيع ؛ ما يعني ، ان جاز لنا القول ، ان الثلج يقوم هنا بدور "خزان سد طبيعي natural dam ". ولقد جرى تطبيق موديل لتوزيع ذوبان الثلج يقوم على اساس طبيعي ( Ohara and Kavas 2006)physically- based في حوض دجلة- الفرات. ويجري توصيف عملية ذوبان الثلج، بموجب هذا الموديل، بثلاث معادلات هي: معادلة الحفاظ على الطاقة energy conversation على أساس درجة الحرارة عند الطبقة الخارجية من الثلج،  ومعادلة الحفاظ على الكم mass conversation على أساس عمق كتلة الثلج. ومعادلة كثافة الثلج محسوبة على أساس معدل عمق الكتلة depth-averaged snow density . ان كتلة الثلج هنا مفترض بها أن تكون تشكلت بثلاث طبقات: طبقة خارجية skin layer ، وطبقة عليا فعالة فعالة top active layer وطبقة سفلى هامدة low inactive layer.  ويجري حل معادلات نطاق ذوبان الثلج عن كل نقطة تقاطع حسابية، من أجل تقييم حجم الماء الناتج من ذوبان الثلج في منطقة الدراسة،  وبوجود معلومات جوية وطوبوغرافية موزعة توزيعا مكانيا. درجة حرارة الهواء، وسرعة الريح ، وكميات سقوط الأمطار،  والإشعاع طويل الموجة/ قصير الموجة، والرطوبة النسبية، جميعا هي المدخلات المطلوبة لموديل الثلج هذا، الذي يزودنا بها مقياس النمط المائي- المناخي لمستجمع أمطار حوض دجلة- الفرات. وبالامكان ملاحظة ان لا معيار تدرج مطلوب هنا  في موديل ذوبان الثلج هذا. وطالما انه ليس بامكان مؤلفي هذا البحث استرداد أية بيانات تخص التوزيع المكاني التاريخي للثلج فوق جبال منطقة مستجمع أمطار حوض دجلة- الفرات، من أجل مراجعة المقبولية الظاهرية لحسابات هذا النمط الخاص بالتوزيع المكاني للغطاء الثلجي لغرض مقارنة كانت قد أجريت  بوساطة المعلومات التي جمعتها الأقمار الصناعية للغطاء الثلجي ازاء عمليات المحاكات لهذا النمط من الغطاء الثلجي. وفي أدناه في الشكل رقم 3 ، توجد مقارنة للتوزيع المكاني للغطاء الثلجي أجراه القمر الصناعي خلال شهر نيسان 2002 مع نمط التوزيع المكاني للغطاء الثلجي المسجل خلال شهر نيسان 1957. وانه لشئ مشجع لملاحظة أن التوزيع المكاني  للغطاء الثلجي فوق مستجمع أمطار حوض دجلة- الفرات،  سواء أجاء من طريق الملاحظة أو من طريق وضع نمط متصور، نجد أنهما يكادان أن يكونا متشابهين، على الرغم من أنهما يتماشيان مع سنوات أخرى.

صورة رقم 1 : كميات سقوط المطر بالملمتر(الى ألأعلى) مبني على الملاحظة و(في ألأسفل) مبني على التصور، في حوض دجلة – الفرات  من كانون ألأول 1967 الى آذار 1967

صورة رقم 2: مقارنة للسلسلة الزمنية الخاصة بمعدل درجات الحرارة المبنية على الملاحظة    والمتصورة في حوض دجلة- الفرات من سنة 1965 الى سنة 1967 .

 

5- الظروف المائية السائدة في مستجمع أمطار دجلة- الفرات

يتميز النمط المائي- المناخي المناطقي الخاص بحوض دجلة- الفرات بظروف جوية تاريخية كانت قد تشكلت تبعا لمعيار الظروف الجوية السائدة فيه. بوصفها مدخلات للمعيار المائي الموجود فوق سطح ألأرض،  ومن أجل التنبؤ بالظروف المائية التاريخية الموجودة في ألأرض بمقياس شبكة لها خطوط متساوية تتكون من 15 كلم x  15 كلم. ويجري توصيف عمليات التدفق المائي فوق سطح ألأرض في المقياس الحالي للتربة/ الانبات للنمط المائي المناخي لحوض دجلة- الفرات بواسطة خمسة مكونات نمطية هي: نمط طبقة حدية جوية، يزاوج بين وجه الأرض و الجو، ونمط ميزان الحرارة للطبقة العليا من التربة، ونمط إنبات  مخصص لحصر الكميات الساقطة من المطر بوساطة الإنبات،  ونمط  التبخر عند مرحلة النتح، ونمط جريان مياه التربة الخاص بالرشح  والانصباب المباشر لماء المطر.   

 

صورة رقم 3: مقارنة للتوزيع المكاني بين الملاحظة بواسطة القمر الصناعي و الموديل المتصور للغطاء الثلجي فوق مستجمع أمطار حوض دجلة- الفرات.

و يعالج النمطان ألأولان موضوع  التغيرات المتواصلة في الرطوبة والتغيرات المتواصلة في درجات الحرارة على حد سواء،  في حين تعالج الأنماط الثلاثة الباقية فقط موضوع التغيرات المتواصلة في الرطوبة ( المياه). وبما أن التغيرات المتواصلة في الرطوبة والحرارة نجدها مرتبطة ببعضها البعض،  فان الأنماط الخمسة جميعا  تتزاوج كل منها مع ألآخر،  ويجري حلها سوية في النمط المائي- المناخي المناطقي لحوض دجلة- الفرات. ويقوم نمط الإنبات بحصر كميات المطر الساقطة بوساطة الانبات، من خلال سقوطها على ألأرض. والتبخر المباشر من اوراق الانبات، والتي تتطلب  قيم درجات الحرارة  التي يجري تقديرها بوساطة نمط ميزان الحرارة ونمط الطبقة الحدية. غير أنه، يتطلب نمط ميزان الحرارة، من ناحية ثانية، قيم التبخر عند مرحلة النتح، والتي يجري تقديرها بوساطة نمط جريان ماء التربة و نمط التبخر عند مرحلة النتح. ويقوم نمط جريان ماء التربة  بالتنبؤ بمحتويات ماء وجه ألأرض وبخزين التربة للماء،     وكميات انصباب ماء المطر،  والتي يجري حسابها من عمليات الرشح الفائضة من ماء المطر الساقط بوساطة معادلات خاصة مبنية على معدلات المساحات المخضرة التي تخضع لنمط جريان ماء التربة (Kavas et. Al., 1998; Chen et. Al., 1994 a, b).

و يستعمل نموذج الطبقة الحدودية للنمط المائي- المناخي المناطقي لمستجمع أمطار دجلة- الفرات نظرية التشابه المعدلة الخاصة بمانين- أوبيكوف Monin- Obukhov  (Kavas et.al.  1998) ليصف بها درجة الحرارة، والريح و توزيعات الرطوبة في الاتجاه العامودي بين طبقة الجو السفلى ووجه ألأرض. ان نموذج الطبقة الحدودية ومعه نموذج الموازنة بين الوحدة القياسية الجوية ووجه ألأرض،  مطبقا نموذج جريان المياه على وجه ودرجات الحرارة والرطوبة للهواء الموجود فوق سماوة النبات،  ودرجة حرارة وجه ألأرض،  ومعامل معظم التحول، وضغط وجه ألأرض، التي تستعمل جميعا  لتحديد نسبة التشبع  الممزوج عند سطح ألأرض. وتستند الحدود المتوسطة للطبقة الحدودية على ارتفاع في وعورة حركة الهواء والغاز،  ودرجات الحرارة المحتملة للجزء ألأول في نموذج الطبقة الجوية،  ودرجة الحرارة لسطح التربة. ان تدفق الرطوبة  لسطح ألأرض  في طبقة الجو السفلى ( التبخر في مرحلة النتح ) بالامكان تقديره، من ناحية، من مقياس سرعة الجريان  ومن مقياس الرطوبة الموجودة في الطبقة الحدودية،  ومن عمليات جريان الماء في التربة  وفسلجة النبات  التي تفرض توفر  الرطوبة في التربة من ناحية أخرى.  وبالنتيجة، ومن أجل أن نكون قادرين على التنبؤ بالتحولات الجارية مستقبلا في عمليات التبخر في مرحلة النتح من وجه الأرض الى طبقة الجو السفلى  في حالات مختلفة للطبقة الحدودية الجوية ( فيما اذا كانت مستقرة أو حيادية، الخ)، فانه من الضروري أن يتوفر لدينا نموذج مزدوج بالكامل من طبقة حدودية جوية/ وتوزيع للمياه فوق سطح الأرض، والذي بدوره يتزاوج فيما بعد مع نموذج للطبقة الجوية العليا (Kavas et. Al. 1998 ). ان بامكان نموذج موازنة الحرارة ان يخمن درجة الحرارة  الموجودة في السطح في طبقة التربة العليا بأن ياخذ بالحسبان  جميع مستويات تدفقات الحرارة في السطح،  والمقصود بذلك، الإشعاع الشمسي،      والإشعاع الطويل الموجة،  وتدفق الحرارة المعقولة،  وتدفق الحرارة الكامنة  وتوصيل الحرارة من ( و الى) ألأرض العميقة الى (ومن) طبقة التربة الموجودة في السطح. وبالامكان هنا أن يخمن تدفق الحرارة من طريق نموذج الطبقة الحدودية  الجريان  ومقياس درجة الحرارة  الموجودان في نظرية التشابه الخاصة بمونين- أوبيوكوف.

ويستند نموذج الانبات الى مفاهيم فيزياوية اقترحها ديردوف Deardorff (1978). اذ تستعمل طبقة واحدة مع طاقة حرارة طفيفة لتمثيل الإنبات في هذا النموذج. وقد يستعمل مقوم الحصر  في هذا النموذج لتخمين خزين الماء السائل في وقت الإنبات (أنظر Kavas et.al 1998 للتعرف على التفصيلات).

و يقع في  قلب نموذج تدفق ماء سطح ألأرض في النمط المائي- المناخي المناطقي لمستجمع أمطار دجلة- الفرات نموذج غرين- آمبت Green- Ampt الذي يستند على معدل مكاني أفقي لحساب تدفق التسرب/ غير المشبع في أنواع التربة المتباينة ميدانيا (Chen et.al. 1994 a, b).  ان التغاير المكاني في حسابات التربة  التي تتحكم بالرطوبة يصبح في هذه الحالة ذا دلالة  في مقاييس الشبكة التي تستعمل عادة في النماذج المناطقية.  وتقوم الوحدة القياسية للتربة/ الانبات في النمط المائي- المناخي المناطقي لدجلة- الفرات بمعالجة  التغاير المكاني في خاصية التواصل بوصفها السبب ألأولي للتغاير المكاني  في محتوى المقطع الجانبي لماء التربة،         ويتعامل مع التربة بوصفها تتشكل من خطوط عمودية متجانسة، طالما كانت تمر بمدرج لقياس الشبكة يبلغ حجمه 15 كلم x  15كلم من تغاير في الخواص الهيدروليكية للتربة باتجاهات أفقية، و هي أكبر بكثير مما هي عليه اذا أخذت بوجهة عمودية. وبامكان نموذج انسياب الماء في التربة أن يتنبأ بمقدار التسرب الى طبقة التربة، والجريان المباشر فوق سطح التربة، وتدفق ماء التربة/ ظروف المقطع الجانبي لطبقة التربة، وعمليات التبخر في مرحلة النتح الى الطبقة الجوية الموجودة فوق سطح التربة. وبالامكان تخمين مقدار التبخر في مرحلة النتح طبقا لمبدأ توفر البلل moisture و ظروف الطقس الجوي،  بإتباع طريقة نويلهان وبلانتن Noilhan and Planton (1989) . ان تفصيلات مكون التبخر في مرحلة النتح في النمط المائي المناخي لمستجمع أمطار دجلة- الفرات بالامكان العثور عليها في Kavas et.al. (1998). اذ يوجد في Kavas et.al 1998 وصف تفصيلي للحدود الوسطى للوحدة القياسية الخاصة بالتربة/الانبات في النمط المائي المناخي المناطقي لمستجمع أمطار دجلة – الفرات. ومن أجل التنبه الى الجريان التاريخي في منظومة نهر دجلة- الفرات، كان نموذج منظومة للنمذجة المائية في مركز الهندسة الهيدروليجية  (Hydrologic Engineering  Center Hydrologic Modeling System HEC- HMS ) قد أنشئ  بوصفه جزء من النموذج المائي المناطقي في النمط المائي- المناخي لمستجمع أمطار دجلة- الفرات. وكان نموذج النمط المائي- المناخي قد بني من 27 مستجمع فرعي للأمطار و 20 من قنوات التصريف مفصلية تغطي نهري دجلة والفرات وروافدهما.     وكانت نتائج الجريان المباشر من النمط المائي- المناخي المناطقي لمستجمع دجلة- الفرات قد أستعملت  على أنها مدخلات  في نموذج النمط المائي- المناخي لمستجمع أمطار دجلة- الفرات  الخاصة بشبكة الجريان في حوض دجلة- الفرات من أجل محاكاة منظومة الجريان خلال ألأعوام 1957- 1969. وحسابات متغايرات الري الشهرية،  المحسوبة بالنمط المائي – المناخي لمستجمع أمطار دجلة- الفرات، كانت قد طرحت من عمليات جريان الماء الموجودة في المنظومة. أما بصدد قنوات التصريف الفرعية channel routing segments   ، فقد أستعمل طريقة ماسكنغام Muskingum من أجل أطلاق التدفقات.

وهنا، وبسبب القيود التي يفرضها المكان، فسيجري فقط عرض الحالة التي تتماثل مع ظروف التدفق الطبيعية السابقة على ما جرى من تطوير في السدود الكبرى القائمة على حوض دجلة- الفرات، خلال الحقبة الحرجة 1957- 1969. وهذه القضية مهمة لعاملين على حد سواء، هما: مصداقية التكنولوجيا التي تقوم بعملية النمذجة  من طريق المشاهدة والمراقبة على طول الحقبة الحرجة المذكورة في أعلاه لجميع مناطق مستجمع مياه ألأمطار؛ و لايجاد الشروط الأساس  لاجراء مقارنة  بين النتائج المستقاة الضرورية لمراجعة السيناريوات الخاصة بتنمية الموارد المائية الخاصة بهذا الحوض.  ولكن، ومن ناحية ثانية، قبل إجراء مناقشة دراسة حالة الموازنة المائية، يكون من الضروري مناقشة منهج التخمين الخاص بمتطلبات مياه الري ضمن مستجمع أمطار دجلة- الفرات، ما دامت احتياجات مياه الري تشكل نسبة أكبر من احتياجات محتملة أخرى للمياه (الحياة الحضرية، و الصناعية، الخ) في مناطق مستجمع مياه ألأمطار.

 

6- الحاجة لمياه الري في مستجمع أمطار دجلة- الفرات

ان دراسة الحالة التي تتماثل مع التدفقات الطبيعية السابقة على تنمية السدود الكبيرة في مستجمع مياه ألأمطار، التي تنطوي على التغايرات التاريخية خلال الحقبة الحرجة التي مرت بها المياه، الممتدة من 1957 الى 1969 في سوريا والعراق سنحتاجها عند اعطاء كميات تدفق المياه من تركيا الى حوض دجلة والفرات. والشكل رقم 4 يزودنا بنظرة عامة منظمة للعملية تصلح لحساب احتياجات المياه في زراعة المحاصيل. وكانت صيغة بليني- كردل Blaney- Cp, ,Criddle قد أستعملت على نحو واسع في  تقدير كمية المياه المستهلكة في زراعة المحاصيل (التبخر المحتمل في مرحلة النتح للمحاصيل) في مستجمع أمطار حوض دجلة – الفرات (Kharrufa et.al. 1970).  وكان قد جرى تبني صيغة بليني- كردل (Heibloem, 1986) في هذه الدراسة. وعادة ما يجري تقليديا بالمعاينة الفعالة طرح كميات سقوط المطر من كميات التبخر المحسوبة شهريا في مرحلة النتح في حوض دجلة- الفرات،  من اجل  الحصول على احتياجات الري من المياه. وكانت في هذه الدراسة، من ناحية ثانية، قد جرى طرح كميات التبخر في مرحلة النتح المخمنة ( محسوبة من لدن النمط المائي- المناخي المناطقي  لمستجمع أمطار دجلة- الفرات) و بموجب الظروف الطبيعية للمياه ( دون فقرة الري)، من مما هو محتمل وجوده في حوض دجلة- الفرات،  من اجل الحصول على احتياجات الري من المياه، طالما كان بالامكان اعتبار احتياجات الري من المياه بوصفها كميات تبخر عند مرحلة النتح يحتاجها النبات لغرض النمو. ويتطلب القيام بدراسة ميدانية،  بوجود منهج علمي فاعل، لتقدير كميات التبخر عند مرحلة النتح، معرفة بالريح، والإشعاع،  ونسبة الميلان (صعودا أو هبوطا) في الرطوبة الجوية المناسبة، وحالة المياه في التربة،  ونوع المحصول المزروع في المنطقة، والتي بالامكان الحصول عليها جميعا  من طريق نموذج مائي- مناخي مناطقي من قبيل النمط المائي- المناخي المناطقي لمستجمع مياه أمطار دجلة- الفرات،  وبوساطة قاعدة المعلومات التي يوفرها القمر الصناعي ضمن منظومة معلومات جغرافية معينة  Geographic Information System GIS ) حول استعمال ألأرض/ غطاء ألأرض الموجودة في مستجمع مياه ألأمطار، الذي جرى تطويره من خلال هذه الدراسة. ومن أجل تقدير كميات المياه التي يحتاجها الري في سوريا      والعراق  بموجب الظروف الطبيعية،  كانت قد قدرت،  بوساطة صيغة بليني- كردل، كميات مياه الري المستهلكة شهريا في زراعة المحاصيل، في الحوضين الفرعيين لحوض دجلة- الفرات. ففي مقياس الزمن الشهري، عادة ما يجري حساب كميات التبخر في مرحلة النتح  بوساطة نموذج مائي- مناخي من نوع النمط المائي- المناخي المناطقي لمستجمع مياه ألأمطار لنهري دجلة- الفرات. وبالنسبة لمنطقة ذات مساحة معينة، بالإمكان حساب كميات المياه التي يحتاجها الري، لكفاية متطلبات زراعة المحاصيل، بانقاص كميات التبخر عند مرحلة النتح  من الكميات المحتمل تبخرها من المحاصيل المزروعة في المنطقة.  وقد تسمى هذه المياه  أيضا بـ " تعويض النقصان deficit replacement ". وحين يكون استعمال المياه المستهلك في زراعة المحاصيل أقل من  البلل المتوفر للمحاصيل في المقياس الشهري، يكون تعويض النقصان في مرحلة الصفر. ومن أجل حسبان الخسارات الناجمة من النقل  في قنوات ري من الدرجة الثالثة، كانت قيم ابدال النقصان تضرب بـ 2.5 .

7- دراسة الموازنة المائية للظروف الطبيعية للحقبة 1957- 1969

في أول دراسة للحالة لايجاد موازنات حيوية للمياه في مستجمع مياه أمطار دجلة- الفرات يجري عرض الموازنة المائية مرتبطة بالحقبة الهيدرولوجية الحرجة للمياه ابتداء من 1957 الى 1969 . ويمثل الزمن الذي تمر به حقبة المياه للسنوات 1957 وانتهاء بـ 1969 حقبة تاريخية سابقة على انشاء السدود الكبيرة  في حوض دجلة- الفرات. وبالنسبة لدراسة الحالة هذه، يتمثل هدفها بمحاولة ايجاد تطابق بين قيم التدفق التي جرى معاينتها  في مواقع محددة حيث كانت البيانات متوفرة لغرض المقارنة. ولغرض هذا السيناريو، كانت احتياجات الري التاريخية خلال الحقبة الحرجة للمياه للسنوات 1957- 1969تحسب  في سوريا والعراق، باستعمال المعلومات المناسبة التي توفرها جداول منظمة الغذاء والزراعة  FAO التابعة للأمم المتحدة، ومعها المنهج الموصوف في أعلاه. وفي أدناه، يجري ايضاح هذا المنهج بلغة التقديرات الخاصة بمتطلبات الري في القطاع السوري من مستجمع مياه أمطار دجلة- الفرات.

الشكل رقم 4 : توصيف بالرسم لعملية حساب احتياجات الري للمياه

(ملاحظة: ارتأيت ان أترك هذا التوصيف الرسمي مثلما هو بألأصل دون ترجمته بسبب تعقيدات ترجمة المعادلات الى العربية، و لأنه في الحقيقة لا يهم سوى المطلعين من ذوي الاختصاص-المترجم).          

 

 من أجل تقدير كميات المياه المسحوبة من الفرات لأغراض الزراعة في سوريا، فان منطقة  المسايل أو المحصلات catchment  لنهر الفرات في سوريا كانت تقسم الى ثلاثة مستجمعات فرعية لمياه ألأمطار وهي: طبقة،  ودير الزور، وأبو كمال، وبموجب صيغة بليني- كردل، كان يجري تقدير كميات المياه المستعملة في زراعة المحاصيل  والمستهلكة شهريا في المستجمعات الفرعية الثلاث. وباستعمال صيغة بليني- كردل  شهريا، فهذا يعني الحصول على معلومات عن الهواء و درجات الحرارة مباشرة من  النموذج المائي- المناخي المناطقي للنمط المائي- المناخي المناطقي لمستجمع أمطار دجلة- الفرات. فالنسب المئوية الشهرية لساعات اليوم كانت تحسب على أساس خطوط العرض في المنطقة. وكانت معاملات coefficients المحصول يجري تقديرها على أساس تطبيقات الجداول التي وضعتها FAO ، وكان يجري تكييفها بموجب الظروف المحلية.  وفي مقياس الزمن الشهري،  نجد إن عمليات التبخر الفعلية عند مرحلة النتح،  و التي تحسب عادة بموجب نموذج مائي- مناخي مناطقي وهو النمط المائي- المناخي لمستجمع مياه ألأمطار لحوض دجلة- الفرات، تكون مكافئة لكميات البلل المتوفرة طبيعيا  لزراعة المحاصيل. ولأجل هذا، فبالنسبة لمنطقة ذات مساحة معينة، تعد كمية الماء المطلوبة للري، التي تفي بمتطلبات الري،  بالإمكان تقديرها بطرح كميات التبخر عد مرحلة النتح من كميات عمليات التبخر عند مرحلة النتح المحتملة للمحاصيل في هذه المنطقة. وهذه الكمية من المياه هي ايضا تسمى بـ "بتعويض النقصان".  وحين تكون كميات المياه المستعملة المستهلكة في زراعة المحاصيل أقل من كميات البلل المتوفر للمحاصيل بموجب المقياس الشهري، تكون عملية تعويض النقصان في المرحلة صفر. و الجدول رقم 1 يزودنا بعمليات ابدال النقصان الشهرية الحاصلة للمحاصيل  في المستجمعات الفرعية الثلاث لمياه ألأمطار خلال الحقبة1957-1969 .  واذا اخذنا بنظر الاعتبار الخسارة الاضافية للمياه خلال عمليات نقل المياه من النهر الى الحقول الزراعية فرادى، يجري تقدير كميات المياه المسحوبة من النهر على أنها 2.5  مرة أكثر من مياه ابدال النقصان.

 

 

 

الجدول رقم 1 : تعويض النقصان

الشهر / متر مكعب

1965

1966

1967

طبقة

دير الزور

أبو كمال

طبقة

دير الزور

أبو كمال

طبقة

دير الزور

كانون الثاني

0.00

0.00

0.00

0.00

0.00

0.00

0.00

0.00

شباط

0.00

0.00

0.63

0,00

0.00

0.00

0.00

0.00

آذار

7.51

2.06

7.60

5.31

5.26

9.20

0.00

0.00

نيسان

24.99

25.38

33.58

28.19

28.29

29.74

32.87

41.21

مايس

57.57

81.84

87.74

55.47

79.76

83.14

30.78

37.64

حزيران

60.83

87.74

97.81

47.57

72.45

87.03

52.25

80.16

تموز

13.48

19.46

24.29

8.86

15.40

23.53

14.33

23.51

آب

2.59

0.45

0.00

2.04

8.86

11.45

4.97

11.07