تلوث المياه الجوفية

 

يعود تلوث المياه الجوفية لمصدرين أساسيين هما التلوث الطبيعي الناتج عن انحلال مكونات الصخور من الفلزات المكونة لصخور الخزان الجوفي، وتلوث صناعي ناتج عن نشاطات الإنسان كافة التي تسيء لنوعية المياه، فالنشاط الزراعي وما يسفر عن استخداماته للأسمدة والمبيدات الحشرية وكذلك مخلفات الحيوانات تتسرب عبر مياه الصرف الزراعي إلى المياه الجوفية.

أما مخلفات النشاطات الصناعية المسببة لتلوث المياه الجوفية منها ملوثات السيانيد الناتجة عن صناعات التعدين والورق، والزئبق الناتج عن صناعات الأجهزة الكهربائية وكذلك المواد الصلبة الناتجة عن الصناعات البتروكيمائية. يضاف إليها مخلفات مياه الصرف المنزلي التي أغلب ملوثاتها من الكبريتات، الكلوريدات، النترات، والفينولات حيث تعمل على خفض قيمة الطلب الكيماوي والحيوي للأوكسجين في المياه.

وبالنظر لمحدودية القدرة الذاتية للتنقية في المياه الجوفية للتقليل من الآثار السلبية للتأثيرات السمية للملوثات المختلفة، فإن تأثيراتها السرطانية على الإنسان والحيوان تبدو جلية. وتؤشر تلك الملوثات لمدى تلوث المياه المترسبة نحو الخزان الجوفي، وكذلك لمدى هشاشة قوام التربة أعلى منطقة الخزان الجوفي التي تمتاز بالنفوذية العالية التي تسمح لمرور الملوثات عبرها دون أن تخفف من تأثيراتها بالعمليات الحيوية في النطاقين غير المشبع والمشبع.

كما أن الاستخدام الجائر لمياه الخزانات الجوفية يؤدي لتلوثها بالأملاح نتيجة تداخل مياه البحار مع مياه الخزان الجوفي، ويسبب التلوث البيولوجي الناتج عن البكتريا المرضية والأحياء العضوية الدقيقة التي تنتج مواد كيماوية سامة بالإضافة إلى الفيروسات والبكتريا الممرضة الناتجة عن مخلفات الإنسان المختلطة مع مياه الصرف المنزلي. ومنها فيروسات: الهيباتيتس المعدي، بوليو، كوكساس، أدينو، رواتا، نورردك. وبكتريا: السالمونيلا (S.B  )، الشيجيلا (S.B  )، يرسينيا إنتروكوليتيكا، يرسينيا بسيدو-تيوبيركوليسيز، ليبتوسبيرا (S.B  )، فرانيسيلاتيولارينسيزن، دايسيبسياكولي، إنتروتوكسيمتيك-أي كولي، بسيدوموناوز، وفيريو ( S.B ) التي تسبب أمراض متعددة للإنسان.

 أما أسباب التلوث الإشعاعي في المياه الجوفية فيعود للراديوم الناتج عن ذوبان مكونات صخور الخزان الجوفي، والرادون 222 الذي يعتبر شديد الذوبان في الماء. وهناك النويدات المشعة الناتجة عن تحلل اليورانيوم والثوريوم والصخور الغرانيتية والرسوبية التي تنتج مواد مشعة حيث يرجع تشكل الصخور الرسوبية للدور الكريتاسي المتآخر الغني باليورانيوم، والمنتشرة على رقعة واسعة من شمالي أفريقيا والشرق الأوسط.

وتسبب التراكيز العالية لليورانيوم والرادون والراديوم في مياه الشرب طفرات جينية وولادات مشوهة وأمراض سرطانية خطيرة للإنسان. يضاف إلى ذلك الملوثات الإشعاعية الناتجة عن عمليات الانشطار النووي لإنتاج اليورانيوم أو مخلفات معالجة الوقود النووي في محطات الطاقة النووية، وكذلك ملوثات الاستخدام الإشعاعية في المختبرات الطبية. ومعظمها يحتاج لمئات السنيين لينعدم تأثيرها السلبي على حياة الإنسان.

ويمكن إجمال العوامل الأساسية والثانوية المساهمة في عملية تلوث المياه الجوفية بـ : التغذية المائية، خصائص التربة، مميزات النطاق غير المشبع والمشبع، طبيعية الصخور المكونة للخزان الجوفي، شدة الجفاف ومدته، درجات الحرارة والرطوبة، التلوث العابر للحدود، قرب أو بعد الخزان الجوفي عن مصادر المياه العذبة أو المالحة، ودرجة استنزاف مياه الخزان الجوفي.

إن طبوغرافية التربة أعلى منطقة الخزان الجوفي لها دور كبير في تخفيف أو زيادة التلوث في المياه الجوفية، فالقدرة الذاتية للتربة على تنقية المياه المتسربة من الملوثات متعلقة بنوعية التربة. فهناك ترب ذات تنقية عالية تسهم ( بشكل كبير ) في تنقية المياه من ملوثاتها قبل وصولها للمياه الجوفية، وترب ذات تنقية متوسطة تسمح لحد ما لمرور بعض الملوثات إلى المياه الجوفية. وترب ذات تنقية متدنية ( خاصة التربة الغضارية ) حيث تسمح للملوثات للنفاذ من خلالها إلى المياه الجوفية.

وتتعلق القدرة الذاتية للتربة على التنقية على خصائصها ( القوام، السماكة، النفاذية، التراص، النوعية -غضارية أو عضوية، خشنة، وناعمة ) التي تسمح أو تعيق حركة الملوثات نحو المياه الجوفية. وهي المحددة لسرعة وصولها إلى الخزانات الجوفية.

" يتطلب تقييم إمكانية تخفيف التلوث في المياه الجوفية النظر لمكونات التربة أعلى منطقة الخزان الجوفي ومدى قدرتها على إزالة بعض الملوثات أو التقليل من تركيزها ( التنقية الذاتية للتربة ) المتمثلة بقدرة نظام المياه الجوفية والأوساط التي تعلوه على الادمصاص والتشتت والإعاقة، وتأخير حركة الملوثات من خلال جملة من العمليات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية التي تعمل وتنشط في نظام ( التربة، الصخور، والمياه الجوفية ). وهناك تباين في هذه العمليات وشدتها تحت سطح الأرض، ففي نطاق الجذور تتحطم كميات ملموسة من الكيميائيات بواسطة العضويات الدقيقة أو بالعمليات الكيميائية والفيزيائية حيث تمتصها النباتات. أما النطاق غير المشبع فإنه يلعب دوراً مهماً في تأخير وصول الملوثات إلى الخزان الجوفي، نتيجة عمليات الانحلال وتحديد المحاليل والتشتت ( التبعثر ) الهيدروديناميكي ذو الفاعلية العالية ".

أهم العمليات المؤثرة على سرعة انتقال الملوثات إلى المياه الجوفية :

أولاً- " العمليات الجيوكيميائية: هي كافة التغيرات التي تطرأ على تركيز الملوثات في المياه قبل وصولها إلى المياه الجوفية ومن أهمها :

1- عملية الادمصاص وإزالته : من أهم خصائصها التوازن بين عدد أواصر المواد المتفاعلة مع المحلول من خلال عملية الادمصاص فزيادة تركيز المحلول يزيد من عملية الادمصاص ونقصانه يسبب إزالته، فمكونات صخور الفلزات الغضارية والزيوليت وهيدروكسيل وهيدرات الحديد والمنغنيز، وهيدروكسيل الألمنيوم والمركبات العضوية خاصة منها المركبات الهيومية تتأثر بشكل أكبر بعملية الادمصاص. ويلعب التأثير الادمصاصي لجذور النباتات العضوية الصغيرة المجهرية، والبكتريا العنصر الأساس في عملية الادمصاص.

 إن عملية التبادل بين المحلول والأيونات الادمصاصية تسمى ( التبادل الأيوني ) ويتأثر اتجاهه وكميته وسرعته بعدة عوامل أهمها : أنواع وخصائص المكونات الصخرية، نوعية الأيونات الادمصاصية، نوع وتركيز الأيونات المنحلة والأيونات المستبدلة، والتبادل الأيوني بين الأيونات الادمصاصية والأيونات المنحلة خاصة في عملية الإرجاع. وتسبب التفاعلات المستمرة للادمصاص وإزالته إعاقة الملوثات للوصول إلى المياه الجوفية وتقاس بعامل الإعاقة ( نسبة سرعة المياه الجوفية إلى سرعة الملوثات ).

2- عملية الانحلال والترسيب : تتوقف على قابلية الملوثات المنحلة على ( الانحلال، التفكك، والحلمأة ) وتقسم الملوثات حسب درجة انحلالها وتفاعلها في الماء إلى : ملوثات الكتروليتة ( أملاح، أحماض، وأسس )، وملوثات غير الكتروليتة ( مركبات استقطابية، وغير استقطابية ).

 وتتحكم بعملية الانحلال والترسيب قيم الـ PH ودرجة الحرارة، وكمون الأكسدة والإرجاع (Eh  )، فالمركبات الالكتروليتة تتفكك إلى أيونات، أما المركبات العضوية الاستقطابية ( السكر، الكحول، والغازات ) فتشكل محاليل حقيقية بشكل جزيئات. والمركبات العضوية غير الاستقطابية ( الزيوت المعدنية ومنتجاتها، والهيدروكربونات الهالوجينية ) تشكل محاليل ضعيفة.

تتلخص آلية العمل بـ : تترسب المواد المنحلة خلال مسارات جريان المياه نحو الخزانات الجوفية فيزداد تركيزها بفعل التبخر والنتح ليصل الماء الملوث فوق درجة الإشباع ( في المناخات الجافة ) إلى المياه الجوفية ويتفاعل معها ليشكل مركبات كيميائية وأيونات ضعيف الانحلال.

 ومن خلال عمليات الترسيب للأيونات ذات التراكيز العالية تتم عملية الإحلال، ولهذه الظاهرة الترسبية أهمية بالغة لتثبيت كثير من المعادن الثقيلة والمركبات الإشعاعية في الخزان الجوفي خاصة بالنسبة لهيدرات الحديد والمنغنيز، وبفعل عملية الاستعاضة للأيونات الايزومورفية ذات الحجوم المتشابهة ( الترسيب المترابط والمتواقت ) يتم تنقية المياه من الملوثات.

3- عملية الأكسدة والإرجاع : تتلخص آلية عملها بـ : ترسب الأيونات القابلة للأكسدة والإرجاع ( عند قيم PH محددة ) كـ Fe+2O2 في المياه الجوفية حيث يتغير كمون الأكسدة والإرجاع وفقاً لمسارات جريان المياه الجوفية ومكونات صخور الخزان الجوفي. وتعمل على تفكك المواد العضوية في نطاقات مرجعة خالية من الأوكسجين وبوجود الحديد والمنغنيز والنترات تترسب المعادن الثقيلة.

 ثانياً - العمليات البيوكيمائية ( الحيوية ) : يتم خلالها تفكك المركبات العضوية الرئيسية بواسطة البكتريا إلى كربون وهيدروجين، لاستخدامها كطاقة في تفاعلاتها لتفكيك مركبات ثاني أو كسيد الكربون وجزئية الماء.

ثالثاً- العمليات الفيزيائية :

1- عملية التشتت أو التبعثر : هناك اتجاهين لتشتت الملوثات الذائبة ( أفقياً وعمودياً ) فالمياه الملوثة تتمدد عند اختلاطها مع المياه الجوفية النقية بسبب التشتت الهيدروديناميكي حتى يصل تركيز الملوثات إلى المستويات العادية، وبسبب عملية الاختلاط يحدث نقصاً في تراكيز الملوثات مع الزمن تبعاً لمسار جريان المياه، وبنفس الوقت تزداد كتلة الملوثات في نهاية المطاف.

2- عملية الإعاقة : تعمل وفقاً لآليات فيزيائية - كيميائية على إعاقة ( أو بطئ ) حركة إعادة المواد المنحلة ضمن مسار الماء حيث تنقسم المواد المنحلة لفئتين : فئة محافظة وهي المواد المنحلة التي لا تتفاعل مع التربة أو المياه الجوفية مثل الكلور، وفي الغالب تكون حركتها سريعة. وفئة فعالة : فالمواد المتفاعلة ( كيميائياً وبيولوجياً ) مع التربة غالباً تكون حركتها بطيئة. وتتلخص آلية عمل الإعاقة بـ : التأثير المتعاقب للادمصاص وإزالته الذي يعيق انتقال الملوثات في مسار الماء، وتحديد المحلول والترشيح والتفاعل الكيميائي والتغيير البيوكيميائي.

3- عملية الترشيح : هي التفاعلات الفيزيائية والكيميائية التي تحدث في مكونات التربة بغرض إزالة الجزيئات الكبيرة بالإجهاد المكيانيكي وادمصاص الجزيئات الصغيرة المعلقة ( البكتريا، الجراثيم، وبقايا هيدروكسيل الحديد... ) وتعتبر عملية الترشيح الميكانيكية في الطبقات المائية الحصوية غير فعالة بسبب صغر حجم جزيئات هيدروكسيل الحديد لنـحو 10 ميكرومتر وحجم جزيئات البكتريا لنـحو ( 0.2- 5 ) ميـكرومتر والفيروسات لنـحو ( 0.25-0.02 ) ميكرومتر.

  وتتلخص آلية العمل بـ : تراكم المعادن والفلزات غير العضوية ( بكثافة 2.5 غ / سم3 ) وعدم تراكمها بالنسبة للعضويات المجهرية الصغيرة ( أقل من 5 ميكرومتر وكثافتها أقل من 1 غ / سم3 ). أما الجزيئات ذات الأقطار الأقل من واحد ميكرومتر كالفيروسات فإن انتشارها يكون مهماً جداً، وتضعف عملية الترشيح حـين تصل حجم الجزيئات بـين ( 1 - 5 ) ميكرومتر والذي يماثل حجم معظم البكتريا.

4- عملية انتقال الغازات : تجتاز الغازات أثناء انتقالها من المياه الجوفية إلى الجو نطاقين فاصلين الأول يفصل بين النطاق غير المشبع والمياه الجوفية والثاني يقع بين النطاق غير المشبع والجو. حيث تتأثر حركة وانتشار الغازات في النطاقين غير المشبع والمشبع بـ : تأثير درجة الحرارة واختلاف درجات الضغط الجوي، تأثير التشتت وكمية وفعالية امداد الأوكسجين من الجو في الشروط الهوائية أو اللاهوائية في المياه الجوفية، وتعمل الحركة العكسية للغاز على إزالة النواتج الغازية كالنتروجين وثاني أوكسيد الكربون والملوثات الطيارة من المياه الجوفية.

رابعاً- العمليات البيوفيزيائية : تتسرب الجراثيم الممرضة إلى المياه الجوفية عن طريق التغذية المائية وسرعتها تتعلق بـ : المسافة الأفقية لفتحة الترسب، مصدر التلوث، والطبيعة الطبوغرافية للتربة أعلى منطقة الخزان الجوفي حيث يقدر متوسط الفترة الزمنية اللازمة لوصول الجراثيم إلى المياه الجوفية بين ( 20-  400 ) يوم ".   

 الاستنتاجات :

1- تتأثر التفاعلات في النطاق غير المشبع بتركيز الأملاح خاصة منها مياه الصرف الزراعي.

2- يؤدي ارتفاع نسبة الأملاح في النطاق غير المشبع لارتفاع منسوب المياه الجوفية السطحية بفعل خاصية الرشح للمياه الجوفية الأكثر عمقاً.

3- تؤدي حركة الماء والأملاح في نطاق التربة نحو الأعلى لتخفيض الملوحة في المياه الجوفية، وبالعكس فإن الحركة العمودية نحو الأسفل تؤدي لزيادة نسبة الملوحة في المياه الجوفية.

4- أن قدرة التنقية الذاتية للمياه الجوفية أقل من التنقية الذاتية للمسطحات المائية خاصة منها مجاري الأنهار والبحيرات والبحار.

5- يحتاج إزالة التلوث عن المياه الجوفية لسنوات مضاعفة قياساً بإزالة التلوث في المياه السطحية.

6- صعوبة الكشف عن مصادر التلوث في المياه الجوفية قياساً بمصادره في المياه السطحية خاصة في الخزانات الجوفية المشتركة بين أكثر من دولة.

7- قلة التشريعات والقوانين الدولية الخاصة بتقاسم المياه الجوفية للأحواض المشتركة بين الدول ومنع التلوث العابر للحدود قياساً بمجاري المياه السطحية.

رابعاً- التلوث الإشعاعي للمياه :

يعتبر أخطر أنوع التلوث على الإطلاق لما يشكله من خطورة مباشرة على حياة الكائنات الحية في الطبيعة، ويعرف النشاط الإشعاعي على أنه تفكك نواة المادة تحريضاً لنواة ذات قيم أقل تعرف بالنظائر المشعة. ويحدد التلوث الإشعاعي بمصدرين ( طبيعي وصناعي ) : المصدر الطبيعي ( كوني، وارضي ) فالأشعة الكونية مصدرها الفضاء الخارجي يضعف تأثيرها عند اصطدامها بالغلاف الجوي للأرض.

 والأشعة الأرضية مصدرها القشرة الخارجية للكرة الأرضية الحاوية على كميات ضئيلة من اليورانيوم والثوريم والراديوم ونظائرها المشعة التي تختلف نسبها تبعاً لنوع الصخور، ففي مكونات الصخور الغرانيتية يزاد تركيزها وتقل في مكونات الصخور الرسوبية. أما مصادرها الصناعية فهي :

1- تساقط الغبار الذري : نتيجة التفجيرات النووية في الجو أو تحت سطح الأرض، فقوة التفجير ودرجة حرارته العالية تحت الأرض يؤدي لتلوث المياه الجوفية بالعناصر المشعة التي يقدر عمرها الزمني من عدة ثوانٍ إلى عدة آلاف من السنيين.

2-المفاعلات الذرية : فعند إنتاج الوقود الذري في المفاعل يتسرب جزءً من المواد المشعة إلى الوسط الخارجي عن طريق مياه التبريد للمفاعل الذري التي تلقى فيما بعد في مجاري الأنهار والبحار، وهي محملة بكميات محدودة من المواد المشعة التي تسبب أمراض بالغة للإنسان.

" يحتوي قلب المفاعل الذري على ( 50 - 100 ) طن متري من قضبان اليورانيوم بشكل أوكسيد اليورانيوم UO2 ويصل عدد قضبان الوقود لنحو 40 ألف قضيب داخل المفاعل الذري ويحتاج كل قضيب وقود لتبريده نحو 730 م3 ماء ( إجمالي حجم مياه التبريد لمحطة المفاعل يبلغ 3 ملايين م3 ) وعند انخفاض فعالية الوقود الذري ( انتهاء عمره الافتراضي المقدر بنحو 30- 40 سنة ) يتوجب التخلص من نفايات مياه التبريد الحاوية على ملوثات إشعاعية بإلقائها في مجاري الأنهار أو البحار مما تتسبب في أمراض سرطانية خطيرة على الكائنات الحية ".   

3- استخدام النظائر المشعة : في أغلب الأبحاث العلمية ومحطات الطاقة الكهربائية والمستشفيات تستخدم بعض النظائر المشعة التي يتسرب جزءً منها عبر مياه الصرف إلى المجاري العامة ومن ثم إلى المسطحات المائية.

" يستخدم الوقود الذري في المحطات الكهروحرارية، فالمفاعل الذري يسخن الماء وبخاره المنطلق يعمل على تدوير توربينات بخارية موصلة مع مولدات لإنتاج التيار الكهربائي. إن الوقود الأساس للمحطة الكهروحرارية هو اليورانيوم ( كل غرام منه ينتج طاقة حرارية تعادل ما ينتجه 3 أطنان من مادة الفحم، أي أن الطاقة الحرارية لغرام يوارنيوم يعادل 3 ملايين طاقة حرارية لثلاثة أطنان من الفحم ). إما المحطات الكهروذرية فإنها تعمل على تحويل الطاقة الناتجة عن إنشطار نوى الذرات بشكل مباشر لطاقة كهربائية من دون الحاجة لتوربينات بخارية ومولدات التيار الكهربائي، لكنها تحتاج لضعف كمية مياه التبريد لمفاعلها في المحطات الكهروحرارية. وفي دراسة أجريت في الولايات المتحدة الأمريكية لحجم المياه الملوثة بالإشعاعات لـ ( 25 محطة كهروحرارية و 5 محطات كهروذرية ) تبين أن انها تلقي نحو 800 م3/ ثا مياه ملوثه في بحيرة مينشيغان".

" ويستخدم الماء الثقيل في المفاعلات الذرية للمحطات الكهروذرية بغرض إبطاء سرعة النيترونات الضرورية للمحافظة على تفاعل انقسام اليورانيوم، ويتألف الماء الثقيل ( وزنه الجزيئي 20 بدلاً من 18 للماء العادي ) حيث تتكون جزيئاته من ذرات هيدروجين ذات وزن ذري مضاعف مقارنة مع ذرات الهيدروجين العادي. ويشترط وجود الوزن الذري المضاعف لتلك الذرات باحتواء نواتها على بروتون ونيترون واحد يسمى نظير الهيدروجين الثقيل الديتريوم (D   أو H2 ) بينما الهيدروجين العادي- البروتيوم يطلق عليه الماء الثقيل ( أوكسيد الديتريوم  D2O) وقد اكتشف عنصر ثالث هو نظير ثقيل جداً للهيدروجين تحوي نواته بروتون ونيوترونان أطلق عليه ( T أو  H3) وفيما بعد اكتشف نظير رابع غير ثابت للهيدروجين H4 يتكون من بروتون وثلاثة نيوترونات، وباتحاده مع الأوكسجين يشكل الماء الثقيل جداً (T2O  ) بوزن جزئي قدره 22. ومن مواصفات الماء الثقيل : درجة غليانه تصل إلى 101.4 مo ودرجة تجمده 3.8 مo. ووزنه أثقل من الماء العادي بنسبة 11% وكثافته أكبر عند درجة حرارة 11 مo. ووزنه النوعي عند درجة حرارة 25 مo يصل لنحو ( - 1.1 ). وقدرته على حل الأملاح تصل بين ( 5 – 15 ) في المائة عن الماء العادي. وتقل سرعة بعض التفاعلات الكيميائية في الماء الثقيل عن سرعتها في الماء العادي ( مثل التحليل الكهربائي للماء إلى ذرتي هيدروجين وأوكسجين ). وجريان الماء الثقيل أبطأ 5 مرات من الماء العادي. والماء العادي يتبخر بسهولة أكبر والمتبقي منه يعد ماءً ثقيلاً. ويؤثر الماء الثقيل على الأجسام الحية بشكل سلبي كونه خاملاً تماماً فيسبب عرقلة نمو النباتات ويقتل الأحياء المائية ويسبب العطش واليابس لأجسام الحيوانات ومن ثم موتها. والماء الثقيل هو الماء القاتل وأحد مكونات الديتريوم يستعمل بمثابة وقود نووي للقنبلة الهيدروجينية ".

4- النفايات النووية : يتم دفنها في باطن الأرض أو أعماق البحار مما يؤدي لتسرب بعض الإشعاعات للمياه الجوفية ومياه البحار وتسبب أضرار على الكائنات الحية خاصة عند حدوث هزات أرضية أو تفجيرات نووية في باطن الأرض قد تؤدي لتسرب المواد المشعة للمياه. بالإضافة إلى ذلك أصبح لإستخدامها كأسلحة فتاكة ( قذائف اليورانيوم المنضب ) لتدمير الدروع والتي استخدمتها الولايات المتحدة الأمريكية في حربها مع العراق في حرب الخليج الثانية التي تسببت بإصابة آلاف من السكان المدنيين والجنود ومازالت آثارها السلبية ماثلة في الولادات المشوهة في منطقة جنوبي العراق، وتأثيراتها على المياه الجوفية ستمتد لمئات السنيين.

" تم تحويل بعض الفضلات النووية السائلة ذات الإشعاع العالي إلى الشكل الصلب لكي تطمر في طبقات الأرض العميقة أو مناجم الملح المستنفذة أو أعماق البحار، فالحرارة العالية الناتجة عنها قد تتراكم لتصهر جدران الأوعية والحاويات الحديدية المحفوظة فيها. وقد تتعرض المنطقة المخزن فيها الفضلات النووية لهزات أرضية فتسبب تلفها وتسرب الفضلات النووية، ويمكن أن تتعرض الخزانات الجوفية للتلوث بالإشعاعات النووية تتسبب بكوارث بيئية ".

الأضرار المتوقعة جراء دفن الفضلات النووية في أعماق الأرض أو البحار :

1- " زيادة درجة حرارة مياه البحار وأثرها على الكائنات الحية كالأسماك وغيرها.

2- التدخل في الدورات الحرارية لسطح الأرض بما يمثل خطورة على الإنسان.

3- إمكانية حدوث خلل في التوازن البيئي في الأحياء البحرية مثل نقص أعداد معينة منها أو زيادة مفرطة في أنواع آخرى بفعل الحرارة العالية كما هو الحال في الاشنيات الزرقاء- المخضرة غير المرغوب بها.

4- يؤدي ارتفاع درجة حرارة المياه لخفض محتواها من الأوكسجين المذاب اللازم للأحياء المائية في البحار والمحيطات ".

أهم الإشعاعات الخطرة على الكائنات الحية :

1- " أشعة ألفا : عبارة عن نواة الهيليوم المكونة من بروتونين ذات شحنة موجبة وسرعتها عالية حيث تفقد جزءً من طاقتها عند اصطدامها بجسم ما لتمتصها نواته.

2- أشعة بيتا : تعتبر أخف وزناً من أشعة ألفا ولها شحنة سالبة، وتمتاز بصغر حجمها وقدرتها على اختراق المجال بين النوى والإلكترونات المكونة للمادة. وبالتالي فإن قدرتها للنفوذ داخل الأنسجة الحية تفوق أشعة ألفا في المدارات الإلكترونية، وتعمل على تحريض الإلكترون فتأين ذراته.

3- أشعة غاما : هي النواة المحرضة الناتجة عن تأثير أشعة ألفا وبيتا على النواة الطبيعية ( المستقرة ) فتزداد طاقتها المشعة ( الكهرومغناطسية ) التي تعرف بأشعة غاما. وتمتاز بقصر عمرها الزمني وسرعتها تساوي سرعة الضوء وتعمل على تأين المادة بشكل غير مباشر عن طريق تحرير الإلكترونات التي تصطدم بها ".

أهم مراحل التفاعلات الإشعاعية مع الخلايا الحية : 

1- " المرحلة الفيزيائية : تتم خلال فترة زمنية قصيرة حيث تنتقل الطاقة من الإشعاع إلى جزئ الماء ويحدث التأين وفقاً للمعادلة الكيميائية التالية :

H2O + إشعاع )H2O)+ + e-2

2- المرحلة الفيزيوكيميائية : تتم خلال فترة زمنية قصيرة جداً حيث تتفاعل الأيونات الموجبة مع الإلكترونات السالبة جزيئات الماء الأخرى وينتج عنها مركبات جديدة. وفقاً للمعادلة الكيميائية التالية :

 (H2O) → OH-2 + H+

3- المرحلة الكيميائية : يمتاز خلالها الهيدروجين والهيدروكسيد ( H،  OH) بنشاطهما الكيميائي الشديد ويعتبر الهيدروجين أحد العوامل المؤكسدة القوية.

4- المرحلة البيولوجية : تظهر خلالها الآثار السلبية على الخلية الحية، وتؤدي لموتها أو منع أو تأخير انقسامها أو حدوث تغيرات مستديمة فيها تنتقل وراثياً عند انقسامها ".

أهم مخاطر التسرب الإشعاعي للنظائر في التفجيرات النووية على الكائنات الحية :

1- " اليود المشع : يتراوح نصف عمره الزمني لتحلل في الطبيعة بين 8 أيام و 100 سنة حيث يترسب بكميات عالية على أسطح الخضراوات ولحوم الأسماك ومياه الشرب فتلوثها بالإشعاع وعند تناولها من قبل الإنسان يصاب بسرطان الغدة الدرقية.

2- الكربون المشع : يقدر نصف عمره الزمني لتحلل في الطبيعة نحو 5800 سنة، ويتركز على أنسجة النباتات والمحاصيل الزراعية ويسبب أمراض مزمنة للإنسان.

3- السترونسيوم 90 : يتراوح نصف عمره الزمني لتحلل في الطبيعة بين 53 يوماً ونحو 28 سنة حيث يرتكز على أنسجة النباتات وأجسام الحيوانات وعند تناولها من قبل الإنسان يصاب بأمراض سرطانية خطيرة، كما انه يتسرب نحو التربة فتفقد خصوبتها. وينصح عند حدوث الكوارث الإشعاعية أن يأخذ الإنسان أقراص اليود أو السوائل المضادة للأشعة والامتناع عن شرب الحليب ومشتقاته، كما ينصح بامتناع الأمهات عن إرضاع المواليد الجدد لخطورة أصابتهم بالتركيز المنخفض للسترونسيوم المشع.

4- السيزيوم : يتراوح نصف عمره الزمني لتحلل في الطبيعة بين ( 2 - 30 ) سنة ويتركز على المحاصيل الزراعية ونباتات المراعي والتربة، ويتسرب إلى المياه الجوفية. ويصاب الإنسان عند تناوله المحاصيل الزراعية أو لحوم الحيوانات الملوثة بالإشعاع بتلف الغدد العصبية والعضلات والأنسجة وأمراض الدم ويؤدي لأمراض سرطانية خطيرة. وينصح عند حدوث الكوارث الإشعاعية بتناول أقراص الأديودين لتقليل من آثار الأشعة القاتلة ".

لا تقتصر خطورة النظائر المشعة عند تسربها على حياة الإنسان وحسب، بل يمتد تأثيرها إلى أجيال قادمة لأنها صعبة التحلل في الطبيعة ويحتاج قسماً منها لمئات السنيين لينعدم تأثيرها الخطر على حياة الإنسان.

" تعتبر الطيور أكثر الكائنات الحية حساسية للأشعة النووية وتقل درجة الحساسية عند الحشرات، في حين تتحمل بعض النباتات نسب معينة من الإشعاع النووي أكثر مما يتحمله الإنسان والحيوان. وكذلك الأمر بالنسبة لبعض الحشائش والشجيرات الصغيرة. وهناك نباتات ذات حساسية عالية للإشعاع النووي مثل : الشعير والذرة والبقوليات، وتتأثر المياه الجوفية بالإشعاعات النووية أكثر من تأثر مجاري المياه لضعف قدرتها على التنقية الذاتية قياساً بالمياه الجارية وبدرجة أقل في البحيرات الراكدة، وتسبب المياه الملوثة بالإشعاعات النووية أمراض سرطانية خطيرة للإنسان ".

تساؤلات مشروعة لوزارة الموارد المائية والبيئة والمتصدين للعملية السياسية :

1- هل تم دراسة التأثيرات السلبية الخطيرة لليورانيوم المنضب الذي استخدمته القوات الاميركية في حرب الخليج الثانية على المياه الجوفية والمسطحات المائية والبيئة ؟. وماهي النتائج التي تم التوصل إليها ؟. وهل تم احصاء عدد السكان المصابين جراء ذلك خاصة في جنوبي العراق ؟.

2 – صرح أحد كوادر وزارة المائية في منتصف تموز 2009 أنه : تم التعاقد مع جامعة البصرة لوضع دراسة عن الخزانات الجوفية ( تلوث المياه، حجم المياه، انتاجها الآمن، تغذيتها، مواقعها.. ). ونتساءل كيف تقوم وزارة الموارد المائية بحفر آبار مياه لإستخدامها للري والشرب بعدم وجود دراسات دقيقة وحديثة عن ملوثاتها واحتمال تسرب اليورانيوم المنضب إليها ؟. أن تعمل وزارة الموارد المائية على معالجة العجز المائي بإستغلال المياه الجوفية دون أن تولي الاهتمام بالآثار الصحية على المواطنين، يحتاج إلى وقفة ومحاسبة للمسؤولين عن هذا الملف إن كانت هناك حقاً هيئة نزاهة مستقلة لأن التفريط بحياة المواطنين خاصة من أبناء الوسط والجنوب المتضررين الأكبر، يمكن أن تدخل ضمن أجندة سياسية لسنا بصددها في الوقت الراهن !.

3 – نتساءل عن الجدوى الاقتصادية لاستغلال المياه الجوفية الشحيحة والتي لا تتعدى تغذيتها المائية على مستوى القطر ( 1.5 – 2 ) مليار م3 سنوياً قبل تراجع الإيرادات المائية من نهري دجلة والفرات لنحو النصف، وتأثير هذا الاجراء غير المدروس على حقوق الأجيال القادمة ؟. مقابل أهمال واضح بتحريك ملف المياه مع الدول المتشاطئة وتحشيد الجهود السياسية والدبلوماسية لإجبار دول الجوار على توقيع معاهدة نهائية لتقاسم مياه نهري دجلة والفرات ؟.

4 – رغم نداءاتنا العديدة منذ سنوات للمتصدين للعملية السياسية لإيلاء ملف المياه عناية أكبر وتفعيل الجهد الدبلوماسي للدفاع الحقوق المائية المكتسبة للعراق لم تجد آذان صاغية، وكأن السياسيين غير معنيين بشؤون المواطنين هل يعود ذلك لتنفيذهم أجندة غير معلنة لدول الجوار ضد أبناء العراق ؟.

5 – نتساءل عن دور وزارة الموارد المائية ( المقصود أو غير المقصود ) في إثارة الخلافات بين محافظات الوسط والجنوب على حصص المياه، وتنامي الصراع بين العشائر داخل المحافظة الواحدة على حصص المياه لري الأراضي الزراعية ؟. هل يعود ذلك لسوء الإدارة المائية أم لنيات مبيتة تهدف لحرق الأخضر بسعر اليابس ؟. 

ملاحظة : للمزيد من المعلومات والاطلاع على المصادر راجع كتابنا ( التلوث المائي– الأسباب والمعالجات  )

الباحث والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط

صاحب الربيعي

 الموقع الشخصي للكاتب : http://www.watersexpert.se/